السفير رؤوف سعد: زيارة الرئيس الصيني لمصر تتجاوز العلاقات الثنائية.. والتنسيق بين القاهرة وبكين قد يرسم ملامح جديدة لاستقرار الشرق الأوسط

أكد السفير رؤوف سعد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تمثل، بكل المقاييس السياسية والاقتصادية والمعنوية، واحدة من أهم الزيارات، في ظل التطور المتعاظم للدور الدولي للصين، والتطورات الخطيرة والمتلاحقة التي تشهدها الساحتان الدولية والإقليمية، خاصة منطقة الشرق الأوسط.

رؤوف سعد: زيارة الرئيس الصيني مصر لا تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية فقط

وقال سعد في تصريح خاص لـ «خمسة سياسة »: إن أهمية الزيارة لا تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية بين مصر والصين، وإنما تمتد إلى طبيعة الدور المشترك الذي يمكن أن تضطلع به الدولتان على الساحتين الإقليمية والدولية، مشددًا على ضرورة التعامل مع العلاقات المصرية الصينية بمعايير مختلفة، في ضوء المكانة التي باتت تتمتع بها الصين باعتبارها قوة اقتصادية وتجارية وسياسية كبرى.

وأضاف أن الصين لم تعد دولة عادية في النظام الدولي، وإنما أصبحت قوة عظمى وواحدة من أهم القوى الاقتصادية والتجارية عالميًا، الأمر الذي يجعل العلاقات معها تتجاوز حدود المصالح الثنائية، لتنعكس على شبكة علاقات مصر الدولية، خاصة في ظل المنافسة المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة.

وأوضح أن مصر مطالبة، في إدارة علاقاتها مع الصين، بتحقيق التوازن الذي يضمن تعظيم مصالحها الوطنية، دون أن تأتي تنمية العلاقات مع بكين على حساب علاقاتها ومصالحها مع الأطراف الدولية الأخرى.

تطور نوعي في الدور الصيني

وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن الدور الصيني شهد تطورًا نوعيًا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد بكين تعتمد فقط على قوتها الاقتصادية والتجارية في إدارة علاقاتها الخارجية، وإنما أضيف إليها دور سياسي متنامٍ جعل الصين لاعبًا أساسيًا في إدارة العلاقات والصراعات الدولية والإقليمية، وقد ظهر ذلك بوضوح في تحركاتها وعلاقاتها مع إيران والدول العربية، خاصة دول الخليج.

وتابع: "زيارة الرئيس الصيني إلى مصر ليست مجرد زيارة ثنائية مهما بلغت أهميتها، وإنما تحمل اعتبارات استراتيجية بالغة الأهمية، وفي مقدمتها إمكانية أن تلعب العلاقات والتنسيق المشترك بين القاهرة وبكين دورًا مؤثرًا في إدارة الأزمات والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الملف الإيراني والقضية الفلسطينية".

وشدد سعد على أن انخراط الصين المتزايد في قضايا المنطقة يفتح المجال أمام تنسيق أكبر بينها وبين مصر، خاصة أن الدولتين تتمتعان بعلاقات مع مختلف أطراف الصراعات الإقليمية، بما يسمح لهما بلعب أدوار متوازنة في دعم جهود التهدئة والاستقرار.

الاستثمارات الصينية.. من "جذب الأموال" إلى خدمة التنمية

وفيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، أكد السفير رؤوف سعد أن مصر يجب أن تنظر إلى الاستثمارات الصينية من منظور يتجاوز مجرد جذب الاستثمارات، بحيث تكون الأولوية للاستثمارات التي تتوافق مع احتياجات وأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المصرية.

وقال إن المعادلة يجب أن تكون واضحة: "مصر لا تستهدف فقط جذب استثمارات، وإنما جذب استثمارات تساهم بصورة حقيقية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية".

وأشار إلى ضرورة توجيه الاستثمارات الصينية نحو القطاعات والمشروعات التي تلبي الاحتياجات الفعلية للاقتصاد المصري، وليس فقط إقامة مشروعات لا ترتبط بصورة مباشرة بأولويات التنمية.

وأضاف أن الصين تتحرك، بطبيعة الحال، وفقًا لمصالحها الوطنية، وهو أمر يجب أن يكون حاضرًا في الحسابات المصرية، مؤكدًا أن المطلوب ليس التحفظ على العلاقات مع بكين، وإنما تحقيق توازن في المصالح يضمن استمرار تطورها بصورة مستقرة ومستدامة.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. فرصة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي عالمي

وأكد سعد أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل "مستقبلًا خاصًا لمصر"، مشددًا على ضرورة إعطاء اهتمام كبير للاستثمارات الصينية داخل المنطقة، خاصة في ظل إدراك بكين لأهميتها الاستراتيجية.

وأوضح أن تحويل المنطقة الاقتصادية، بالتكامل مع هيئة قناة السويس، إلى مركز إقليمي متكامل للتجارة والتوزيع والخدمات، أو ما يُعرف بمفهوم "الهَب"، يمكن أن يمنح مصر موقعًا استثنائيًا على خريطة التجارة العالمية.

وقال إن الموقع الجغرافي لمصر لا يربط فقط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وإنما يفتح كذلك الطريق أمام الربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، بما يجعل المنطقة الاقتصادية مؤهلة لأن تصبح قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أسواق شرق إفريقيا وجنوب آسيا ومنطقة الخليج.

وأضاف أن هذا التحول من شأنه أن يُحدث تغييرًا مهمًا في خريطة الملاحة والتجارة، ويمنح مصر قدرة أكبر على الاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد، خاصة في ظل التطورات والصراعات المتلاحقة في المنطقة.

وأكد أن دخول قوة اقتصادية كبرى مثل الصين بصورة مكثفة واستراتيجية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يجب أن يحظى بتركيز كبير من الجانب المصري، لافتًا إلى أن الاستثمارات الصينية في المنطقة وخارجها تشهد تطورًا متواصلًا.

مصر مركز الاستقرار في المنطقة

وأشار مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط أثبتت أن مصر تمثل مركز الاستقرار الرئيسي في المنطقة، وأنه لا يمكن تحقيق استقرار أو سلام إقليمي مستدام دون الدور المصري.

وأوضح أن امتلاك مصر لمزيج فريد من القدرات الجغرافية والتاريخية والثقافية والدبلوماسية والاقتصادية يؤهلها للقيام بدور محوري في إدارة التوازنات الإقليمية.

وأضاف أن ما تشهده مصر حاليًا من بناء لأسس نهضة اقتصادية وتنموية يمكن أن يدفعها، خلال السنوات المقبلة، إلى الانتقال من مرحلة الدولة الصاعدة إلى الاقتراب من مصاف الدول المتقدمة.

"توطين التكنولوجيا" يجب أن يعني امتلاك المعرفة

وشدد سعد على أن التكنولوجيا تمثل أحد أهم محاور المستقبل في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والصين، مؤكدًا أن مفهوم "توطين التكنولوجيا" يحتاج إلى إعادة تعريف وتطبيق بصورة أكثر دقة.

وأوضح أن توطين التكنولوجيا لا يعني مجرد نقل التكنولوجيا أو استيرادها، وإنما يعني انتقال مصر إلى مرحلة امتلاك المعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها.

وقال إن تحقيق ذلك يتطلب أن تتحول مصر إلى مركز للتصنيع والتطوير التكنولوجي، سواء من خلال الاستثمارات الصينية المباشرة أو مشروعات التصنيع المشترك بين مصر والصين، مؤكدًا أن امتلاك المعرفة التكنولوجية يمثل المصدر الحقيقي للاستقلال الإنتاجي وتقليل الاعتماد على الخارج.

تنسيق مصري صيني من أجل إدارة أزمات المنطقة

وأكد السفير رؤوف سعد أن مصر والصين تتمتعان بميزة مهمة تتمثل في امتلاك علاقات مع مختلف أطراف الصراعات الدولية والإقليمية، بما يسمح لهما بالقيام بدور متوازن في دعم التسويات السياسية واحتواء الأزمات.

وأضاف أن السياسة المصرية في المنطقة تقوم على إدارة حكيمة ومحسوبة للتوازنات، مستندة إلى خبرة دبلوماسية وتاريخية وثقافية عميقة، وهو ما يجعل القاهرة طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات تستهدف تحقيق الاستقرار الإقليمي.

وأشار إلى أن المبادرة المهمة المتمثلة في نشر مقالين للرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس الصيني بالتزامن مع الزيارة تعكس، في تقديره، وجود توافق مسبق على الارتقاء بالعلاقات المصرية الصينية إلى مستوى نوعي جديد.

وأوضح أن هذا التطور لا يضيف فقط إلى قوة ومتانة العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين البلدين، وإنما يمكن أن يفتح أيضًا آفاقًا أوسع للتنسيق المشترك في دعم الاستقرار بالشرق الأوسط، وربما الإسهام في معالجة بعض مظاهر الاضطراب في النظام الدولي.

لا استقرار في الشرق الأوسط دون حل القضية الفلسطينية

وأكد سعد أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد مجرد ساحة تتلقى تداعيات الصراعات والتحولات الدولية، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من التحولات التي يشهدها النظام الدولي ككل، وهو ما يعزز أهمية الدور المصري والصيني في التعامل مع أزمات المنطقة.

وشدد على أن تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي يظل مرتبطًا بصورة مباشرة بتسوية القضية الفلسطينية، قائلًا إن "استقرار المنطقة لن يتحقق دون تسوية القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير".

واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق بالتأكيد على أن مصر تضع العلاقة بين القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي في صدارة رؤيتها، وأن استقرار الشرق الأوسط ككل سيظل مرهونًا بإيجاد تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا