تمكنت الدفاعات الجوية السعودية، مساء أمس من اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة جنوب مدينة مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، في واقعة وصفتها الرياض بأنها محاولة عدائية وإرهابية تستهدف مهبط الوحي وأقدس بقاع الأرض عند المسلمين. الجماعة الحوثية نفت الاتهام ووصفته بالافتراء، لكن التوقيت وحده كان كفيلا بتحويل الحادث من خبر أمني عابر إلى اختبار سياسي حقيقي لشبكة التحالفات في المنطقة، وعلى رأسها العلاقة المصرية السعودية التي لم تكن يوما مجرد علاقة ثنائية عادية، بل ركيزة أساسية فيما يوصف بمنظومة الأمن القومي العربي.
المفارقة اللافتة أن الحادث جاء بعد ساعات فقط من مباحثات موسعة جمعت الرئيس المصري بولي العهد السعودي في القاهرة، تناولت تحديدا ملف أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب، وكأن النقاش الاستراتيجي حول حماية الممرات المائية تحول فجأة إلى اختبار عملي مباشر بعد ساعات قليلة من انعقاده.
الموقف المصري الرسمي.. إدانة سريعة وربط مباشر بالأمن القومي
لم تتأخر القاهرة في الرد. فقد أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانا شديد اللهجة أدانت فيه واستنكرت بشدة ما وصفته بـ"المحاولة الآثمة" لاستهداف مكة المكرمة، معتبرة أن الواقعة تمثل انتهاكا صارخا لحرمة المقدسات الدينية ومخالفة واضحة لقواعد وأحكام القانون الدولي. الأهم من لغة الإدانة نفسها، هو الجملة التي دأبت القاهرة على تكرارها في كل أزمة تمس أمن الخليج: أن أمن المملكة العربية السعودية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مع تجديد دعم مصر الكامل لأي إجراءات تتخذها الرياض للحفاظ على سيادتها وحماية أراضيها.
إلى جانب البيان الرسمي، جاء موقف الأزهر الشريف ليضيف بعدا آخر للمشهد، إذ اعتبر أن أمن الحرمين الشريفين "ليس شأنا سياسيا أو إقليميا، وإنما قضية تمس عقيدة الأمة الإسلامية بأسرها"، داعيا إلى إبعاد البلد الحرام عن حسابات الصراع والسياسة، وهو خطاب يمنح الموقف المصري غطاء دينيا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الدولتين إلى مسؤولية تجاه العالمين العربي والإسلامي ككل.
زيارة ولي العهد السعودي.. توقيت يعيد ترتيب الأولويات
الزيارة التي وصفتها الرئاسة المصرية بأنها "زيارة عمل" لولي العهد السعودي إلى القاهرة، لم تكن في سياقها الزمني منفصلة عما جرى لاحقا. فالمباحثات التي جمعت الجانبين تناولت بشكل مباشر ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب وفي البحر الأحمر، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية وتهديدات الحوثيين المتكررة للملاحة الدولية. بهذا المعنى، لم يكن الحديث عن أمن الممرات المائية مجرد بند بروتوكولي في بيان ختامي، بل استعدادا مبكرا لمواجهة سيناريو كان يلوح في الأفق.
لماذا يهم أمن باب المندب مصر تحديدا؟
الرابط بين أمن السعودية وأمن مصر لا يقتصر على البعد الأخوي أو الديني، بل يمتد إلى مصلحة اقتصادية استراتيجية مباشرة. فأي اضطراب في باب المندب لا يبقى محصورا في جنوب البحر الأحمر، بل ينعكس فورا على حركة الملاحة في قناة السويس، المصدر الحيوي للعملة الصعبة بالنسبة لمصر. الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية في السنوات الأخيرة دفعت عددا كبيرا من السفن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى تراجع ملموس في إيرادات القناة. من هنا، فإن التنسيق المصري السعودي بشأن أمن البحر الأحمر ليس تضامنا سياسيا فحسب، بل حماية لمصلحة اقتصادية مشتركة: الرياض تحتاج إلى بيئة بحرية آمنة لتأمين صادراتها من الطاقة، والقاهرة تحتاج إلى استقرار الممر البحري لضمان انسيابية الملاحة نحو قناتها.
من التضامن السياسي إلى التنسيق الميداني؟
حتى الآن، ظل الموقف المصري في حدود الإدانة الدبلوماسية والتأكيد على دعم الإجراءات السعودية، دون الإفصاح عن أي خطوات عملياتية أو عسكرية مباشرة. لكن تكرار محاولات استهداف العمق السعودي، وربطها في الخطاب الرسمي المصري بمفهوم الأمن القومي المشترك، يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تحولا من التنسيق السياسي والدبلوماسي إلى آليات مشتركة أكثر مباشرة لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يخدم المصلحتين المصرية والسعودية في آن واحد.
سؤال مفتوح: أي دور تلعبه القاهرة إذا اتسعت رقعة الاستهداف؟
يبقى السؤال معلقا: هل تكتفي مصر بموقعها الحالي كطرف داعم سياسيا ودبلوماسيا لحليفها الخليجي الأهم، أم أن استمرار محاولات الحوثيين استهداف العمق السعودي، وما يحمله ذلك من تهديد غير مباشر لأمن البحر الأحمر وقناة السويس، سيدفع القاهرة تدريجيا نحو دور أكثر انخراطا في منظومة حماية الملاحة الإقليمية، بما يتجاوز حدود البيانات والإدانات إلى تنسيق عملياتي فعلي مع الرياض وبقية الأطراف المعنية بأمن الممرات المائية؟
