مع كل عام دراسي جديد، تتكرر المشاهد ذاتها أمام معارض «أهلاً مدارس» المنتشرة في مختلف المحافظات: طوابير من أولياء الأمور، ولافتات ضخمة تعلن عن تخفيضات تصل إلى 80%، وتصريحات حكومية متكررة عن "تخفيف الأعباء" و"مواجهة أي زيادات غير مبررة" في الأسعار. لكن خلف هذا المشهد المكرر سنويًا، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: هل تُترجم هذه التخفيضات فعليًا إلى وفر حقيقي في جيب الأسرة المصرية، أم أنها مجرد واجهة تسويقية لأسعار لا تزال أعلى من قدرة كثير من الأسر؟
فجوة بين نسبة الخصم المعلنة وواقع الفاتورة
تعلن الجهات المنظمة عن نطاق تخفيضات واسع يتراوح بين 30% و80% حسب نوع السلعة والمنفذ، وهو نطاق فضفاض بطبيعته يسمح بتقديم بعض السلع "الجاذبة" بخصومات كبيرة، بينما تبقى سلع أخرى أساسية بعيدة عن هذا الهامش. فحين يُنظر إلى الأرقام الفعلية المعلنة داخل المعارض، تتضح الصورة: كراسة السكتش التي تُباع بأربعة جنيهات بدلًا من ستة، أو علبة الأقلام السائلة بأربعين جنيهًا بدلًا من ستين، تمثل بالفعل وفرًا ملموسًا نسبيًا. لكن في المقابل، تظل الحقيبة المدرسية المستوردة، وهي من أكثر البنود إرهاقًا لميزانية الأسرة، متأرجحة بين 370 و400 جنيه حتى داخل المعارض نفسها، بفارق ضئيل عن أسعار السوق العادية.
الفجوة الحقيقية إذن ليست في وجود الخصم من عدمه، بل في توزيعه: الخصم الكبير يتركز في الأصناف الرخيصة أصلًا كالأدوات المكتبية الصغيرة، بينما تبقى البنود الأثقل على الميزانية - الحقائب، والأزياء المدرسية، والأحذية - أقرب إلى أسعار السوق منها إلى وعود التخفيض المعلنة في الإعلانات الرسمية لافتتاح المعارض.
الحقيبة والزي المدرسي.. أكثر البنود إرهاقًا للميزانية
حين يُسأل أولياء الأمور عن أكثر ما يثقل كاهلهم في قائمة المستلزمات، تتصدر الإجابة عنصرين بعينهما: الحقيبة المدرسية والزي الرسمي. فبينما تشهد الحقائب المصنّعة محليًا استقرارًا نسبيًا في الأسعار بفعل الاعتماد على الإنتاج الداخلي، فإن الحقائب المستوردة، وهي الأكثر طلبًا لدى شريحة واسعة من الأسر بسبب جودتها المتصورة، تتأثر بشكل مباشر بتكلفة الخامات وأسعار الشحن وحركة سعر الصرف، ما يجعلها البند الأكثر تقلبًا وارتفاعًا موسمًا بعد آخر.
أما الزي المدرسي، فتتفاوت الروايات حوله: تصريحات رسمية من ممثلي شعبة الملابس تصف الارتفاع هذا العام بأنه "محدود"، في مقابل شكاوى متكررة من أولياء أمور يؤكدون أن سعر البدلة والمريلة للمرحلة الابتدائية تجاوز الأربعمائة جنيه في بعض الأسواق التقليدية المعروفة بأسعارها التنافسية. هذا التباين بين الخطاب الرسمي وتجربة الشارع هو بالضبط ما يجعل بند الزي المدرسي نقطة اختبار حقيقية لمصداقية التخفيضات المعلنة، إذ إنه - على عكس الأدوات المكتبية - سلعة لا غنى عنها لكل طالب دون استثناء، ما يجعل أي ارتفاع فيه أثرًا مباشرًا وشاملًا على كل أسرة.
معرض واحد.. واحتياجات متعددة لم تكتمل
يروّج لمعارض «أهلاً مدارس» بوصفها محطة شاملة تغني الأسرة عن التنقل بين منافذ متعددة، وهي بالفعل توفر مظلة واسعة تجمع الأدوات المكتبية والحقائب والملابس والأحذية، بل وبعض الأجهزة الرقمية والمواد الغذائية الأساسية، في مكان واحد وبأوقات عمل ممتدة تسهّل على الأسر عملية الشراء.
غير أن هذه الشمولية الظاهرية تخفي فجوة جوهرية: فاتورة تجهيز الطالب للعام الدراسي لا تقتصر على "السبلايز" والزي، بل تمتد إلى بنود لا يغطيها أي معرض مهما اتسع، وعلى رأسها المصروفات الدراسية نفسها، وتكاليف الدروس الخصوصية التي باتت عبئًا شبه ثابت لدى شريحة واسعة من الأسر، فضلًا عن أجور النقل المدرسي. وحين تُقارن هذه البنود بما توفره المعارض من وفر محدود على الأدوات والملابس، يتضح أن الأثر الفعلي لهذه المبادرات - رغم أهميته - يظل جزئيًا، ومحصورًا في الطرف الأصغر نسبيًا من فاتورة العام الدراسي الإجمالية.
وقد التقطت بعض الجهات هذه الفجوة جزئيًا، عبر مبادرات موازية لسداد مصروفات دراسية وتوزيع حقائب مجانية على أسر مسجلة ضمن برامج الرعاية الاجتماعية، وهو ما يشير ضمنيًا إلى إدراك أن حل "غلاء السبلايز" وحده لا يكفي لمعالجة العبء الأكبر الذي تواجهه الأسر مع بداية كل عام دراسي.
بين الوفر الحقيقي والانطباع بالوفر
تبقى القيمة الفعلية لمعارض «أهلاً مدارس» رهينة بمقارنة دقيقة، سلعة بسلعة، بين ما يُعلن داخل المعارض وما هو متاح فعليًا في الأسواق التقليدية بمناطق البيع الشهيرة، لا بالاكتفاء بالنسب المئوية العامة التي تتصدر العناوين. فبينما تنجح المعارض في تخفيف كلفة بعض البنود الصغيرة بشكل ملموس، يظل السؤال مطروحًا: هل الأسرة المصرية توفّر فعليًا حين تشتري من هذه المعارض، أم أنها فقط تشعر بأنها توفّر، بينما تظل أثقل بنود فاتورة العام الدراسي - من حقيبة مستوردة إلى زي رسمي إلى دروس خصوصية - خارج نطاق أي تخفيض حقيقي؟
