لم يكن تصدر عبارة «خط أنابيب نفط» محركات البحث وليد فضول عابر، بل انعكاسًا لأزمة طاقة فعلية تتكشف فصولها يومًا بعد آخر في قلب الخليج والبحر الأحمر. فمنذ أيام، تحول خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي، أحد أهم شرايين تصدير النفط في العالم، من بنية تحتية هادئة تعمل في الخلفية إلى بؤرة توتر تُراقبها أسواق الطاقة العالمية لحظة بلحظة. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بعيدًا عن ضجيج الترند: ماذا يحدث بالضبط لهذا الخط، ولماذا تتجاوز تبعاته حدود السعودية لتلامس موقع مصر ودورها في خريطة الطاقة العالمية؟
ما الذي أصاب خط «شرق-غرب»؟
يمتد خط أنابيب «شرق-غرب»، المعروف أيضًا باسم «بترولاين»، من حقول النفط في المنطقة الشرقية السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة اسمية تقارب خمسة ملايين برميل يوميًا، قابلة للرفع إلى نحو سبعة ملايين برميل في الظروف الاستثنائية. وتكمن أهمية هذا الخط في كونه المنفذ البري الوحيد تقريبًا الذي يتيح للمملكة تصدير خامها بعيدًا عن مضيق هرمز، الممر الذي بات مهددًا بشكل متكرر منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
تعرض الخط لضربات استهدفت محطتي ضخ رئيسيتين من محطاته، ما دفع السلطات السعودية إلى إيقاف تشغيله بشكل احترازي لفحص الأضرار وتأمين المنشأة. وتباينت التقديرات حول مدة التوقف بشكل لافت: فبينما تحدثت مصادر إقليمية عن جدول زمني قد يمتد من ثلاثة إلى ستة أسابيع لإتمام الإصلاح، جاءت تصريحات أمريكية لاحقة على لسان مسؤولين في وزارة الطاقة أكثر تفاؤلًا، مرجحة عودة الضخ خلال أيام معدودة. هذا التباين نفسه، بين رواية "أسابيع" ورواية "أيام"، يعكس حساسية الملف وصعوبة تقدير حجم الضرر الفعلي بدقة حتى اللحظة.
أزمة لا تأتي منفردة
الخطورة الحقيقية لتوقف خط «شرق-غرب» لا تكمن في الحادثة بمفردها، بل في توقيتها، إذ تتقاطع مع اختناقات أخرى تضرب في الوقت ذاته أهم ممرات الطاقة في العالم. فمضيق هرمز، الذي كان ينقل في السابق نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا، يشهد تراجعًا حادًا في حركة الناقلات منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بينما تتصاعد في الوقت نفسه مخاطر الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر جراء التهديدات المتكررة لحركة السفن هناك. وحين يجتمع تعطل هذه الممرات الثلاثة معًا، ولو جزئيًا، فإن النتيجة تتجاوز حادثة فنية معزولة لتتحول إلى اختبار حقيقي لمرونة منظومة الطاقة العالمية بأكملها.
انعكس هذا التوتر فورًا على أسواق العقود الآجلة، حيث قفزت أسعار خام برنت العالمي بما يزيد على 3% لتتجاوز 108 دولارات للبرميل، فيما تخطى خام غرب تكساس الأمريكي حاجز 103 دولارات، في مؤشر واضح على أن المتعاملين في السوق يتعاملون مع كل ضربة جديدة تطال البنية التحتية النفطية باعتبارها تهديدًا إضافيًا للإمدادات، لا حادثًا عابرًا.
أين تقف مصر من هذه المعادلة؟
هنا يصبح الملف أقرب إلى اهتمامات القارئ المصري مما يبدو للوهلة الأولى. فمع تعطل أحد أهم المسارات البديلة لمضيق هرمز، تكتسب البنية التحتية المصرية للطاقة أهمية استراتيجية متصاعدة. إذ يمثل خط أنابيب «سوميد»، الممتد من العين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يوميًا، أحد أبرز المسارات البرية التي يمكن أن تخفف الضغط عن ناقلات النفط العابرة للممرات المائية الحرجة. كما تحظى مخزونات النفط السعودي المتوفرة على الأراضي المصرية بأهمية خاصة، لوقوعها على مسارين بحريين مختلفين تتيحان مرونة في إعادة التوزيع بدلًا من الاعتماد على منفذ تصدير واحد.
وتزداد المكانة الاستراتيجية لقناة السويس نفسها في هذا السياق، بوصفها ممرًا يمر عبره نحو 12% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، وهو ما يجعل أي اضطراب في المسارات البديلة الأخرى يدفع مزيدًا من حركة الملاحة نحو المسار المصري. بعبارة أخرى، كل أزمة تضرب هرمز أو «شرق-غرب» أو باب المندب، تضع مصر بشكل غير مباشر في موقع أكثر مركزية ضمن شبكة أمن الطاقة الإقليمية والعالمية.
سؤال مفتوح
يبقى المشهد في حالة سيولة: فبين توقعات تتحدث عن أسابيع من التعطل وأخرى عن أيام معدودة لعودة الضخ، وبين تصاعد وتراجع متقطع في وتيرة التهديدات على الممرات المائية المحيطة، لا يمكن الجزم بعد بالمسار الذي ستأخذه أزمة الطاقة هذه. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يتجاوز توقيت إصلاح محطتي الضخ المتضررتين، ليطرح نفسه بصيغة أوسع: هل تملك مصر فعليًا القدرة على تحويل هذه الأزمات المتلاحقة في ممرات الطاقة العالمية إلى موقع تفاوضي واقتصادي أكثر رسوخًا، أم أن دورها سيظل محصورًا في كونها ممرًا جغرافيًا مستفيدًا من أزمات الآخرين دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب استراتيجية دائمة؟
