تصدر اسم «الأكاديمية العسكرية المصرية» محركات البحث اليوم، إثر حفل تخرج الدورة السادسة للجهات والهيئات القضائية التابعة لوزارة العدل، والذي شهده رئيس الجمهورية بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة. ورغم أن المناسبة تبدو للوهلة الأولى احتفالًا بروتوكوليًا معتادًا، فإنها حملت في مضمونها رسائل سياسية ومؤسسية تستحق التوقف عندها.

ماذا جرى في الحفل؟

شهد الحفل تخرج 1350 خريجًا من الدورة السادسة المخصصة للجهات والهيئات القضائية، ضمن برنامج تديره الأكاديمية العسكرية المصرية بالتنسيق مع وزارة العدل. وتضمن برنامج الاحتفال عرض فيلمين تسجيليين، أحدهما بعنوان «البداية» والآخر بعنوان «جسر العدل»، إلى جانب كلمة لمدير الأكاديمية العسكرية، وأخرى لأقدم الدارسين بالدورة، وكلمة ختامية لوزير العدل بمناسبة التخريج، قبل أن يوجه رئيس الجمهورية كلمته للخريجين.

الرسالة المؤسسية: الأكاديمية كـ«معبر» موحّد للوظائف العامة

كانت أبرز الرسائل التي حملتها كلمة الرئيس ذات طابع مؤسسي بامتياز، إذ وصف الأكاديمية العسكرية بأنها «معبر» لتولي الوظائف داخل مؤسسات الدولة المصرية، مؤكدًا أن الهدف من هذه المنظومة هو تطبيق معايير موحدة ودقيقة على جميع المتقدمين لشغل وظائف الدولة، بعيدًا عن أي مجاملة أو محاباة. هذا التوصيف يضع البرنامج التدريبي للجهات القضائية في سياق أوسع، بوصفه جزءًا من مسار متصل لإصلاح آليات اختيار الكوادر داخل مؤسسات الدولة المختلفة، وليس حدثًا معزولًا يخص جهة بعينها.

وربط الرئيس هذا التوجه بفكرة أن الإصلاح المؤسسي الحقيقي يحتاج إلى مسار جاد وواضح، وأن عامل الوقت في تنفيذه أمر حاسم، خصوصًا في دولة تضم ملايين المواطنين، بما يستدعي وقتًا كافيًا حتى تظهر نتائجه.

رسائل سياسية أوسع من مناسبة التخرج

تجاوزت كلمة الرئيس الطابع الاحتفالي المعتاد لتحمل رسائل سياسية أكثر مباشرة. فقد نفى أن يكون الهدف من دور الأكاديمية العسكرية في تدريب كوادر مدنية هو «عسكرة الدولة»، في محاولة واضحة لتأطير الدور المتنامي للأكاديمية في إعداد كوادر الجهات المدنية والقضائية. كما عاد إلى محطة 2011-2013، مؤكدًا أن ما جرى خلال تلك الفترة «لم ينته» وأن محاولات النيل من استقرار الدولة «لم تتوقف»، داعيًا إلى وعي مجتمعي أوسع يمتد إلى الأسر لا يقتصر على المسؤولين أو المفكرين أو الإعلاميين وحدهم.

ولافتة أيضًا العبارة التي شدد فيها الرئيس على أن الحفاظ على الدولة المصرية لا يعني الحفاظ على شخص الرئيس أو الحكومة، معتبرًا أن حصر الأمر في هذا الإطار «يفرغه من مضمونه»، في تأكيد على أن مسؤولية الحفاظ على مؤسسات الدولة مسؤولية جماعية تتجاوز موقع السلطة التنفيذية.

بين تكريم المتفوقين وحماية القُصّر

إلى جانب الرسائل المؤسسية والسياسية، تضمنت كلمة الرئيس جانبًا تكريميًا، إذ أشاد بكلمة أقدم الدارسين وبالحاصلين على تقدير امتياز، موجهًا بالنظر في ترشيح عدد منهم للحصول على زمالة كلية الدفاع الوطني التابعة للأكاديمية العسكرية، وهي خطوة تُقرأ كمسار مستقبلي لدمج كفاءات من الجهات القضائية والمدنية ضمن برامج تأهيل أعلى تقليديًا كانت مقتصرة على العسكريين.

كما وجّه الرئيس، في سياق حديثه عن الاستخدام الجيد لوسائل التواصل الاجتماعي، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأجهزة المعنية باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأطفال دون سن الخامسة عشرة من إساءة استخدام هذه الوسائل، في إشارة تحمل بُعدًا مجتمعيًا يتجاوز موضوع الحفل الأساسي.

دلالة أوسع من حفل تخرج

يكشف هذا الحفل، في مضمونه، عن نمط متكرر في الخطاب الرسمي يربط بين بناء الكوادر البشرية عبر مؤسسة عسكرية واحدة موحدة، وبين خطاب الحفاظ على استقرار الدولة في مواجهة تحديات يُنظر إليها باعتبارها مستمرة وغير منتهية. والسؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يمثل توسّع دور الأكاديمية العسكرية في تدريب كوادر الجهات المدنية والقضائية نموذجًا جديدًا لصناعة الموظف العام المصري، أم أنه محطة ضمن مسار أطول لإعادة تشكيل علاقة مؤسسات الدولة المختلفة بمنظومة اختيار وتأهيل موحدة؟