أكد وليد عتلم، رئيس لجنة السياسات العامة بحزب الجيل الديمقراطي، أن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» وضعت يدها على جوهر المشكلة التي تواجه مسار التكامل الاقتصادي الأفريقي، مشددًا على أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل في إطلاق مبادرات جديدة أو عقد مؤتمرات إضافية، وإنما في تحويل الاتفاقيات والتفاهمات القائمة إلى مشروعات وصفقات واستثمارات حقيقية عابرة للحدود.
وقال عتلم، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، إن أفريقيا لا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى مؤتمر جديد بقدر حاجتها إلى آلية تنفيذ جديدة، خاصة أن القارة قطعت شوطًا كبيرًا في بناء المؤسسات وإبرام الاتفاقيات، وأصبح الاختبار الحقيقي الآن مرتبطًا بما يمكن تحقيقه على أرض الواقع في ملفات التجارة والاستثمار والإنتاج.
وأوضح أن المطلوب هو الانتقال من الاتفاق إلى الصفقة، ومن الصفقة إلى المصنع، ومن المصنع إلى سلسلة قيمة، ثم تحويل سلاسل القيمة إلى وظائف وتجارة واستثمارات، بما يجعل التكامل الاقتصادي الأفريقي قائمًا على نتائج ملموسة، وليس فقط على الاتفاقيات والتوصيات.
وليد عتلم: المشكلة لم تعد في نقص الاتفاقيات وإنما في التنفيذ
وأشار رئيس لجنة السياسات العامة بحزب الجيل الديمقراطي إلى أن أفريقيا تمتلك بالفعل عددًا من الأطر والمؤسسات التي تستهدف دعم التكامل الاقتصادي، من بينها منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وأجندة 2063، والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، إلى جانب مؤسسات التمويل.
وأكد أن وجود هذه المؤسسات والاتفاقيات يعني أن المشكلة الأفريقية لم تعد بالأساس في غياب الأطر المنظمة للتعاون، وإنما في القدرة على تحويل هذه الأطر إلى نتائج اقتصادية فعلية.
وتساءل عتلم عن شكل التطور الذي يمكن أن تشهده التجارة والاستثمارات والإنتاج الأفريقي خلال العامين المقبلين، مؤكدًا أن هذا هو الاختبار الحقيقي لأي رؤية تستهدف بناء سوق أفريقية متكاملة.
وأضاف أن قيمة منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» لن تتوقف عند ما تم طرحه خلال فعالياته، وإنما ستظهر في مدى قدرة المشاركين على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بحيث تكون الدورة الثانية من المنتدى قائمة على حصيلة تنفيذ الدورة الأولى بالأرقام، وليس على مجرد توصيات أو مبادرات جديدة.
بناء السوق الأفريقية من الداخل وتمكين القطاع الخاص
وشدد وليد عتلم على أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تكون لبناء السوق الأفريقية من الداخل، من خلال تمكين القطاع الخاص من العمل عبر الحدود، مع التركيز بصورة خاصة على الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح أن تحرير التجارة على الورق لا يكفي لبناء سوق أفريقية فعلية، وإنما يجب توفير البيئة التي تمكن الشركات الأفريقية من الوصول إلى الأسواق المختلفة، وإبرام الصفقات، والحصول على التمويل والضمانات، والاستفادة من البنية اللوجستية وأنظمة المدفوعات التي تجعل التجارة البينية أكثر سهولة وأقل تكلفة.
وأشار إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تحتاج بصورة خاصة إلى آليات تساعدها على الدخول إلى الأسواق الأفريقية وتحمل المخاطر المرتبطة بالتجارة عبر الحدود، مؤكدًا أن وجود فرص استثمارية وتجارية وحده لا يكفي إذا لم تتوافر للشركات القدرة المالية والمؤسسية على الاستفادة منها.
ولفت عتلم إلى أن بناء السوق الأفريقية يتطلب التعامل مع مختلف عناصر العملية التجارية باعتبارها منظومة واحدة، تبدأ من المنتج والشركة، مرورًا بالتمويل والضمانات والنقل والمدفوعات، وصولًا إلى الأسواق والمستهلكين.
التجارة البينية الأفريقية تواجه تحديات التمويل
وأوضح رئيس لجنة السياسات العامة بحزب الجيل الديمقراطي أن التجارة البينية الأفريقية لا تزال تمثل أحد الملفات الرئيسية التي تحتاج إلى مزيد من العمل، مشيرًا إلى أنها لا تزال في حدود 16 إلى 18% من إجمالي صادرات القارة.
وأضاف أن الأونكتاد تشير إلى أن التجارة داخل أفريقيا أكثر تنوعًا وأعلى في القيمة المضافة من جزء كبير من التجارة مع الأسواق الخارجية، وهو ما يؤكد أهمية توسيع السوق الأفريقية وتعزيز حركة التجارة بين دول القارة.
وأكد أن هناك عقبة أقل ظهورًا من مشكلات الجمارك والطرق، لكنها تمثل عاملًا مؤثرًا في نمو التجارة، وهي تمويل التجارة.
وأشار عتلم إلى أن البنك الأفريقي للتنمية يقدر فجوة التمويل غير الملباة للتجارة الأفريقية بنحو 74 إلى 92 مليار دولار خلال عام 2024، لافتًا إلى أن نقص السيولة بالعملات الأجنبية كان من أبرز العوائق أمام نمو تمويل التجارة لدى البنوك.
وشدد على أن معالجة فجوة تمويل التجارة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي خطة تستهدف زيادة التجارة والاستثمارات الأفريقية، خاصة أن الشركات قد تمتلك فرصًا وصفقات فعلية، لكنها تحتاج إلى أدوات تمويل وضمانات تمكنها من تنفيذ هذه الصفقات وتحمل المخاطر المرتبطة بها.
5 أهداف لتحويل مخرجات «العلمين» إلى خطوات قابلة للقياس
وطرح وليد عتلم خمسة أهداف عملية يرى أنها يمكن أن تمثل إطارًا لتحويل مخرجات منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» من توصيات إلى خطوات تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة.
أولًا: منصة أفريقية للفرص والمشروعات
ويقترح عتلم إنشاء منصة أفريقية للفرص والمشروعات، يتم من خلالها طرح الصفقات والمشروعات العابرة للحدود أمام القطاع الخاص، بحيث تتحول المنتديات الاقتصادية إلى نقطة انطلاق فعلية للمشروعات، وليس مجرد فرصة للتعارف وتبادل الرؤى.
ثانيًا: آلية لضمان تمويل التجارة البينية
وأكد أهمية إنشاء صندوق أو آلية لضمان تمويل التجارة البينية، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، موضحًا أن المشكلة لا تتمثل فقط في وجود فرص تجارية، وإنما في قدرة الشركة الأفريقية على تمويل الصفقة وتحمل مخاطرها.
ثالثًا: ربط المنتجين الأفارقة بسلاسل قيمة مشتركة
وأشار إلى ضرورة ربط المنتجين الأفارقة بسلاسل قيمة مشتركة داخل القارة، موضحًا أن أفريقيا لا ينبغي أن تكتفي بتصدير المواد الخام من دولة أفريقية إلى أخرى، ثم تعود القارة لاستيراد المنتج النهائي من خارجها.
وأكد أن بناء سلاسل قيمة داخل أفريقيا يمكن أن يدعم التصنيع والإنتاج، ويرفع القيمة المضافة للموارد الأفريقية، ويوسع فرص الاستثمار ويخلق وظائف جديدة.
رابعًا: تسهيل حركة السلع والمدفوعات
وشدد عتلم على أهمية تسهيل حركة السلع والمدفوعات من خلال توحيد الإجراءات الجمركية والرقمية، وتوسيع استخدام أنظمة الدفع الأفريقية، بما يجعل التجارة البينية أكثر سهولة وأقل تكلفة.
وأوضح أن الإجراءات الحدودية والمصرفية يجب ألا تتحول إلى تكلفة إضافية تعوق التجارة، بحيث تصبح الحدود والإجراءات المصرفية أكثر تكلفة من المنتج نفسه.
خامسًا: مؤشر سنوي لقياس التنفيذ
واقترح رئيس لجنة السياسات العامة بحزب الجيل الديمقراطي وضع مؤشر سنوي لقياس مستوى تنفيذ مخرجات التعاون الاقتصادي الأفريقي، يتضمن عدد المشروعات العابرة للحدود التي تم إطلاقها، وعدد الصفقات التجارية التي تمت، وحجم التمويل الذي تم حشده، ومعدل زيادة التجارة البينية، وعدد الشركات الصغيرة التي تمكنت من دخول أسواق أفريقية جديدة.
وأكد أن وجود مؤشرات واضحة سيجعل من الممكن الانتقال من تقييم المنتديات وفقًا لما تم الإعلان عنه إلى تقييمها وفقًا لما تم تنفيذه بالفعل.
وليد عتلم: مصر تستطيع تحويل «العلمين» إلى نقطة انطلاق للمشروعات
وأشار عتلم إلى أن مصر تستطيع أن تلعب دورًا عمليًا في هذا المسار، من خلال تحويل منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» من مجرد مناسبة يلتقي فيها صانعو القرار ورجال الأعمال كل عامين، إلى نقطة انطلاق لمشروعات وشراكات يتم قياس تنفيذها بين دورة وأخرى.
وأوضح أن هذا التحول يتطلب وجود آلية متابعة مستمرة لما يتم الاتفاق عليه، بحيث تكون كل دورة من المنتدى مرتبطة بما تحقق منذ الدورة السابقة، وبما تم إطلاقه من مشروعات وصفقات واستثمارات.
وأكد أن نجاح المنتدى يمكن قياسه من خلال مؤشرات واضحة، من بينها عدد المشروعات التي تم تنفيذها، وحجم الصفقات التجارية، وقيمة التمويلات التي تم حشدها، ومعدل نمو التجارة البينية، وعدد الشركات التي تمكنت من التوسع داخل الأسواق الأفريقية.
«الاتفاق إلى صفقة.. والصفقة إلى مصنع»
وشدد وليد عتلم على أن جوهر الرؤية التي يطرحها يتمثل في تحويل الاتفاقيات من وثائق وتفاهمات إلى نشاط اقتصادي حقيقي، بحيث يتحول الاتفاق إلى صفقة، والصفقة إلى مصنع، والمصنع إلى سلسلة قيمة، ثم تتحول سلسلة القيمة إلى وظائف وتجارة واستثمار.
وأوضح أن هذا المسار هو ما يمكن أن يمنح التكامل الاقتصادي الأفريقي مضمونًا عمليًا، من خلال ربط الاتفاقيات بالإنتاج والاستثمار والتشغيل، وليس الاكتفاء بتوقيع الاتفاقيات أو الإعلان عن المبادرات.
وأضاف أن تعبئة رأس المال الأفريقي تمثل عنصرًا مهمًا في هذا المسار، إلى جانب جذب الاستثمارات وتوفير التمويل والضمانات، بما يسمح بتنفيذ مشروعات عابرة للحدود تستفيد منها أكثر من دولة أفريقية.
واختتم رئيس لجنة السياسات العامة بحزب الجيل الديمقراطي بالتأكيد على أن كلمة الرئيس السيسي وضعت يدها على جوهر المشكلة الأفريقية، وأن المطلوب الآن هو تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات وتجارة واستثمارات عابرة للحدود، مع تعبئة رأس المال الأفريقي، بحيث يتحول منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» إلى آلية تنفيذ ومتابعة، وتكون الدورة المقبلة قائمة على أرقام ونتائج ملموسة لما تم إنجازه منذ الدورة الأولى.
