مادة واحدة فقط من بين مواد مشروع قانون كاملة كانت كفيلة بإعادة المشروع من قصر الرئاسة إلى قاعة مجلس النواب، وبوضع جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية في صدارة النقاش البرلماني مع بداية دور الانعقاد الجديد. المادة 25 لم تتحدث عن مناهج ولا عن كليات ولا عن شروط قبول، وإنما عن مكافآت مالية تُصرف لطلاب بعينهم، غير أن هذا النص القصير فتح بابًا واسعًا للأسئلة: هل يجوز أن تتفاوت المعاملة المالية بين طلاب جامعة واحدة؟ وأين يقف حد التوازن بين الطبيعة الخاصة لجامعة تتبع القوات المسلحة وبين مبدأ المساواة الذي يحكم المراكز القانونية للمواطنين؟
وبينما أنهى المجلس، يوم الاثنين 5 أكتوبر، الخطوة الأولى بالموافقة على الاعتراض من حيث المبدأ، تبقى تفاصيل الأزمة وما خلفها من تساؤلات أكبر من مجرد حذف مادة وإعادة ترقيم ما بعدها.
ماذا تقول المادة 25؟
تنص المادة محل الاعتراض على منح طلاب الشعبة العسكرية بكليات الجامعة ومعاهدها مكافأة شهرية تعادل أول راتب لرتبة الملازم، إضافة إلى التعويضات المقررة قانونًا، وذلك اعتبارًا من التاريخ الذي تُمنح فيه هذه الرتبة لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية بالأكاديمية العسكرية المصرية، بشرط أن يكون الطالب قد أمضى دراسته بنجاح.
وتضيف المادة شقًّا ثانيًا يقضي بمنح الطلاب المتفوقين في الجامعة مكافأة سنوية، وفق الشروط والأوضاع التي تحددها اللائحة الداخلية لكل كلية أو معهد.
وهكذا يجمع النص بين أمرين مختلفين في طبيعتهما: ميزة مالية شهرية مرتبطة بالشعبة العسكرية، ومكافأة تفوق سنوية تشمل طلاب الجامعة بصفة عامة.
كيف وصلت المادة إلى القبة؟
أرسل رئيس الجمهورية رسالة إلى مجلس النواب يعترض فيها على المادة 25 من مشروع القانون، مثمّنًا جهود المجلس في إعداده، وطالبًا إلغاء المادة بالكامل. وأحال المجلس الرسالة، إلى جانب بيان رئيس الوزراء في الشأن نفسه، إلى اللجنة العامة فور تشكيلها، في أولى جلسات دور الانعقاد الثاني.
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أمام النواب أن الاعتراض جاء بعد دراسة متأنية لأحكام المشروع، وفي إطار إعلاء مبدأ المساواة وتحقيق اتساق المراكز القانونية للطلاب، مشيرًا إلى أن جوهر الملاحظة الرئاسية يتصل بما قد يترتب على نص المكافآت من تفاوت في المعاملة المالية بين فئات الطلاب. وأضاف أن المطلوب الحفاظ في الوقت نفسه على استقلال الجامعة وخصوصية نظامها التعليمي.
وعقدت اللجنة العامة اجتماعها يوم الأحد برئاسة المستشار هشام بدوي وبحضور وزير شؤون المجالس النيابية المستشار هاني حنا، وأوصت بالموافقة على الاعتراض وإلغاء المادة، تحقيقًا للمساواة بين طلاب الشعبتين العسكرية والمدنية وتفاديًا لتباين المزايا المالية. وفي اليوم التالي وافقت الجلسة العامة على التقرير من حيث المبدأ.
أين دار الجدل؟
اللافت أن النقاش داخل القاعة لم يتركز على رفض الاعتراض، بل على فهم أبعاده القانونية وما يترتب عليه. فقد أيّد نواب بارزون الاعتراض، ومنهم أستاذ القانون الدستوري النائب صلاح فوزي الذي أعلن موافقته عليه «جملة وتفصيلًا»، وطالب بتشكيل لجنة خاصة فورًا تستند إلى سوابق برلمانية مستقرة، موضحًا أن المطلوب حذف مادة واحدة وإعادة ترقيم المواد. وقال النائب مختار همام، وكيل لجنة الإسكان، إن الحذف يحقق المساواة والعدالة التي أقرها الدستور بين المواطنين ويحافظ على استقلال الجامعات.
أما التساؤلات الأعمق فطرحها النائب علاء فؤاد، وكيل اللجنة التشريعية، حين أشار إلى ثلاث نقاط:
- شبهة التمييز: الجامعة تقبل طلابًا في شعبتين، عسكرية ومدنية، ومنح إحداهما ميزة مالية قد يفتح الباب أمام مطالبة طلاب الشعبة الأخرى بالمزايا نفسها.
- التحويل بين الشعبتين: المادة 26 تجيز انتقال الطالب من شعبة إلى أخرى، ما يجعل التفرقة المالية بينهما أكثر إشكالًا من الناحية العملية.
- غموض مكافأة التفوق: النص أحال إلى اللائحة الداخلية لكل كلية أو معهد تحديد قواعد المنح، وهو ما قد يثير غموضًا في التطبيق.
هل يُحرم المتفوقون؟
السؤال الذي يتردد خارج القاعة: إذا حُذفت المادة بكاملها، فهل يفقد المتفوقون مكافأتهم السنوية؟ يجيب النائب علاء فؤاد بأن الأمر لا يدعو للقلق، لأن مشروع القانون ينص على سريان أحكام قانون تنظيم الجامعات فيما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون الجامعة، وبالتالي يمكن للمتفوقين الحصول على المكافآت وفق القواعد العامة الواردة في ذلك القانون.
وتبقى هذه النقطة مما يحتاج إلى تأكيد في صياغة اللجنة الخاصة، حتى لا يظل الغموض قائمًا في النص النهائي.
الخطوة التالية
شكّل المجلس لجنة خاصة برئاسة الدكتور عاصم الجزار، وكيل أول المجلس، وتضم عشرة نواب من لجان التعليم والشؤون الدستورية والتشريعية والدفاع والأمن القومي، بينهم رئيس لجنة التعليم أشرف الشيحي. وقد طلب رئيس المجلس أن تعقد أول اجتماعاتها يوم الأربعاء المقبل، لدراسة تقرير اللجنة العامة تمهيدًا لعرض ما تنتهي إليه على الجلسة العامة، التي رُفعت إلى الاثنين المقبل.
سؤال مفتوح
بين حذف المادة وتحقيق المساواة بين طلاب الشعبتين، يبقى سؤال يتجاوز النص نفسه: كيف تُصاغ العلاقة التشريعية بين جامعة ذات طبيعة خاصة وبين القواعد العامة التي تحكم التعليم الجامعي؟ وهل يكتفي المشرّع بحذف المادة، أم تنتهي اللجنة الخاصة إلى صيغة بديلة تحسم مصير المزايا المالية لطلاب الجامعة بما يحقق التوازن الذي أشار إليه رئيس الوزراء؟
