استضاف الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي المائدة المستديرة الثانية ضمن مسار الحوار الخاص بإعداد استراتيجية وطنية لتنمية الحياة الحزبية في مصر، تحت عنوان «نحو استراتيجية وطنية لتنمية الحياة الحزبية في مصر.. من المشاركة إلى المسؤولية»، وذلك استكمالًا للمائدة الأولى التي استضافها حزب المحافظين، وبمشاركة ممثلين عن عدد من الأحزاب السياسية وشخصيات لديها خبرات في العمل السياسي والبرلماني والمجتمعي.

وشهدت المائدة مناقشات موسعة حول سبل تطوير الأحزاب السياسية وإصلاح البيئة السياسية والمؤسسية المحيطة بها، إلى جانب بحث آليات بناء قواعد اجتماعية وتنظيمية أكثر فاعلية، وتأهيل الكوادر السياسية، وتنويع موارد الأحزاب، وتوسيع المشاركة، وصولًا إلى تعزيز قدرتها على تقديم بدائل للسياسات العامة وتحمل مسؤوليات الحكم والرقابة والمحاسبة.

وخلصت المناقشات إلى وجود مساحات مشتركة في تشخيص عدد من التحديات التي تواجه العمل الحزبي، مع اختلاف في بعض المقترحات الخاصة بآليات التعامل معها، بما يتيح استكمال الحوار وصولًا إلى استراتيجية تستند إلى خبرات الأحزاب واحتياجات المجتمع، وتضم أهدافًا وأولويات ونتائج قابلة للتقييم.

حرية التنظيم وفتح المجال العام في صدارة مناقشات تطوير الأحزاب

أكد المشاركون أن حرية التنظيم تمثل أحد الأسس الرئيسية لبناء حياة سياسية فاعلة، مع أهمية وجود مؤسسات اجتماعية ونقابية وطلابية مستقلة تتيح للمواطنين التعبير عن مصالحهم، واكتساب الخبرات المرتبطة بالعمل الجماعي والتمثيل والمشاركة.

وتناول النقاش تأثير القيود المرتبطة بالنشاط السياسي والخوف من المشاركة وضعف الثقة في جدوى العمل العام على قدرة الأحزاب على استقطاب أعضاء جدد وبناء حضور مجتمعي مستمر.

وشددت المداخلات على أهمية توفير ضمانات وممارسات فعلية تتيح النشاط السياسي السلمي والتواصل مع المواطنين، مع ضمان فرص عادلة للأحزاب بمختلف توجهاتها، بالتوازي مع تطوير المؤسسات والبيئة التشريعية المرتبطة بالعمل السياسي.

كما أكد المشاركون أهمية التعامل مع تطوير الحياة الحزبية باعتباره مسارًا متكاملًا يجمع بين الإصلاح التشريعي والانفتاح المؤسسي وبناء قدرات الأحزاب والمجتمع، بدلًا من النظر إلى كل ملف بصورة منفصلة.

استراتيجية وطنية بأهداف ومراحل واضحة.. ومراجعة مشروعات تعديل قانون الأحزاب

ركزت المناقشات على ضرورة أن تقوم الاستراتيجية الوطنية لتنمية الحياة الحزبية على منهج واضح يربط بين تحليل الواقع وتحديد الأولويات والأهداف، والأطراف المعنية، والموارد المتاحة، والنتائج المستهدفة، إلى جانب وضع آليات للمتابعة والمراجعة الدورية.

وطُرحت مجموعة من المقترحات لتنظيم هذا المسار، من بينها تجميع الدراسات والمقترحات التشريعية والخبرات السابقة للأحزاب، والاستفادة من مخرجات الحوار الوطني، مع تحديد موضوعات اللقاءات المقبلة مسبقًا وإعداد أوراق عمل مركزة تساعد على الوصول إلى نتائج أكثر تحديدًا.

كما جرى التأكيد على ضرورة التمييز بين الإجراءات التي تستطيع الأحزاب تنفيذها داخل مؤسساتها، والإصلاحات التي تحتاج إلى تعديل تشريعي أو قرار مؤسسي، إلى جانب توثيق نقاط الاتفاق والاختلاف ومراجعة ما يتم تحقيقه بين اللقاءات والبناء عليه في المراحل التالية.

ونوقشت إمكانية عقد اللقاءات بصورة شهرية أو كل شهرين وفقًا لطبيعة الملفات المطروحة، فضلًا عن الاستفادة من مشروعات سابقة لتعديل قانون الأحزاب وضمها إلى مواد العمل ومراجعتها، بما يساعد على إعداد تصورات تشريعية ضمن الاستراتيجية الوطنية المستهدفة حتى عام 2030.

ربط البرامج الحزبية باحتياجات المواطنين

ناقشت المائدة أهمية أن تحدد الأحزاب القواعد الاجتماعية والمصالح التي تستهدف تمثيلها، مع تقييم مدى اتصالها الفعلي بهذه الفئات وقدرتها على تحويل احتياجات المواطنين إلى برامج ومواقف وتحركات سياسية واضحة.

وتطرقت المناقشات إلى عدد من الملفات، بينها أوضاع أصحاب المعاشات، والصناعة والإنتاج، وقضايا النساء والرعاية، واحتياجات المجتمعات المحلية، والعاملين في العمل الحر والاقتصاد الرقمي، ورواد الأعمال وأصحاب المشروعات.

وطرح المشاركون التركيز على ملفات محددة باعتباره مدخلًا لبناء علاقات مستمرة مع المواطنين، وتطوير سياسات تستند إلى معرفة مباشرة بمشكلاتهم واحتياجاتهم.

كما تناولت المناقشات دور الأنشطة الاجتماعية والخدمية والتنموية في بناء علاقة الأحزاب بالمجتمع، مع التأكيد على ضرورة ارتباط هذه الأنشطة برسالة الحزب وبرنامجه، بما يساعد على تنظيم المصالح وبناء القدرة على المطالبة بالحقوق والمشاركة في صياغة الحلول العامة.

الشباب وتجديد القيادات.. البحث عن مسارات جديدة للمشاركة

احتل ملف الشباب جانبًا مهمًا من المناقشات، في ظل التأكيد على أن اهتمام الشباب بالشأن العام يتخذ صورًا متعددة، وأن محدودية انضمامهم إلى الأحزاب تستدعي مراجعة آليات الوصول إليهم والفرص التي توفرها المؤسسات الحزبية للمشاركة والتأثير واكتساب الخبرة.

وتضمنت المقترحات اكتشاف القدرات السياسية والتنظيمية داخل الجامعات والمجتمعات المحلية والأنشطة العامة، والاستثمار في تأهيلها، إلى جانب منح الشباب مسؤوليات عملية داخل الأحزاب وربط التدريب بفرص حقيقية للمشاركة في اتخاذ القرار.

كما طُرحت أهمية نقل الخبرات بين الأجيال، وتبادل المعرفة بين القيادات ذات الخبرة والأعضاء الجدد، مع تطوير أنشطة تستجيب لاهتمامات الشباب، ومنها ريادة الأعمال واللغات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، على أن تكون مرتبطة بالعمل المجتمعي والسياسي.

ونوقشت أيضًا مقترحات بشأن تخصيص نسب للشباب في المواقع القيادية، بينما ظلت تفاصيل وآليات التمثيل محل نقاش، خاصة فيما يتعلق بمدى قدرة النسب العددية وحدها على تحقيق التمكين الفعلي.

الجامعات والنقابات والبرلمان.. مسارات لإعداد الكوادر السياسية

وتناول اللقاء أهمية الجامعات والاتحادات الطلابية والنقابات باعتبارها مساحات يمكن من خلالها اكتساب خبرات الانتخاب والتمثيل والتفاوض وإدارة الاختلاف، مع بحث تأثير تراجع هذه المسارات على تجدد الكوادر السياسية.

وطُرحت مراجعة القواعد المنظمة للعمل الطلابي، وضمان فرص المشاركة والانتخابات والتعبير، إلى جانب إتاحة حوار أكثر تفصيلًا مع المعنيين بالتمثيل الطلابي.

كما نوقشت أهمية التربية المدنية المبكرة وبرامج التعرف على المؤسسات السياسية، والمعايشة والتدريب العملي بما يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة.

واستعرض المشاركون تجارب مرتبطة بتأهيل المساعدين البرلمانيين وتطوير بيوت خبرة تقدم دعمًا بحثيًا وتشريعيًا للنواب والأحزاب، مع التأكيد على أهمية هذه التجارب في إعداد كوادر متخصصة وربط الشباب بالممارسة الفعلية في تحليل السياسات وإعداد التشريعات والرقابة.

توسيع الانتشار خارج القاهرة وتطوير التنظيم الحزبي

ناقشت المائدة كذلك سبل توسيع الحضور الحزبي خارج القاهرة، وإشراك أبناء المحافظات في تحديد الأولويات وتصميم الأنشطة، بما يسمح بتطوير تنظيم يستجيب لخصوصية المجتمعات المحلية واحتياجاتها.

وشملت المقترحات إنشاء فروع أو مساحات تنظيمية إلكترونية، وعقد اجتماعات تجمع بين الحضور المباشر والمشاركة عن بُعد، إلى جانب تبادل الاستفادة من مقار الأحزاب وفروعها وخبراتها في تنفيذ أنشطة وتدريبات مشتركة.

كما طُرحت دراسة إتاحة بعض المنشآت الشبابية والثقافية والتعليمية للأنشطة العامة وفق قواعد واضحة وعادلة، مع بحث إمكانية توفير مساحات مشتركة يسهل الوصول إليها.

ويستهدف هذا الطرح تقليل تكلفة النشاط والمشاركة، مع الحفاظ على الاتصال المباشر بالمواطنين ومراعاة التفاوت في فرص الوصول إلى الوسائل الرقمية بين المحافظات والفئات المختلفة.

إصلاح التشريعات وضمان حقوق المعارضة السياسية

ناقشت المائدة ضرورة إعداد مراجعة منظمة للتشريعات المؤثرة في الحياة الحزبية، بمشاركة المتخصصين داخل الأحزاب وخارجها، بحيث تحدد المراجعة مواضع التعديل وأهدافه والآثار المتوقعة منه.

وشملت الموضوعات المطروحة تبسيط إجراءات تأسيس الأحزاب ومراجعة متطلبات المؤسسين والأعباء المرتبطة باستيفائها، إلى جانب دراسة رقمنة إجراءات توثيق إرادة المواطنين في تأسيس الأحزاب والاستفادة من منصة مصر الرقمية في تيسير الإجراءات.

كما تناول النقاش الجهة المختصة بشؤون الأحزاب وضمانات استقلالها، مع طرح عدد من البدائل المؤسسية، من بينها استمرار الإشراف القضائي أو إسناد الاختصاص إلى الجهة المعنية بالانتخابات أو إنشاء جهة مستقلة.

وتطرق المشاركون كذلك إلى تعزيز الضمانات القانونية لحقوق المعارضة السياسية، بما يشمل المشاركة والتعبير والتمثيل داخل اللجان البرلمانية، إلى جانب بحث دور المعارضة في رئاسة بعض اللجان.

ولم تحسم المائدة المفاضلة بين البدائل المؤسسية المطروحة، مع التأكيد على ضرورة دراستها في ضوء استقلال الأحزاب وحرية نشاطها وعدالة المنافسة.

النظام الانتخابي والمحليات.. كيف يصبح التمثيل أكثر فاعلية؟

تطرقت المناقشات إلى أثر النظام الانتخابي واتساع دوائر القوائم على قدرة الأحزاب على المنافسة، وعلى العلاقة بين الناخب وممثله وإمكان محاسبته.

وطُرحت بدائل تتعلق بالقوائم النسبية وتقليص النطاق الجغرافي لدوائر القوائم، إلى جانب مراجعة قواعد التمثيل، كما ناقش المشاركون فكرة العتبة الانتخابية باعتبارها أحد المقترحات التي قد تشجع الائتلافات والاندماج الطوعي، مقابل مخاوف من استخدامها بصورة قد تؤثر على فرص الأحزاب الصغيرة أو المعارضة.

كما تناول النقاش الحصص التمثيلية ودورها في ضمان التنوع، دون التوصل إلى صيغة انتخابية موحدة.

وبرزت المجالس المحلية المنتخبة باعتبارها مجالًا مهمًا لتأهيل القيادات ومتابعة الخدمات وتمثيل الاحتياجات اليومية للمواطنين، إلى جانب إمكانية مساهمتها في توزيع أعباء العمل العام بما يتيح للبرلمان التركيز بصورة أكبر على اختصاصاته التشريعية والرقابية.

تمويل الأحزاب.. بين الاستدامة والاستقلال وعدالة المنافسة

احتل ملف تمويل الأحزاب مساحة أساسية من النقاش، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في قدرة الأحزاب على التنظيم والانتشار والتدريب وإنتاج السياسات.

وطُرحت عدة مسارات للدراسة، من بينها بحث تخصيص موارد في الموازنة العامة لدعم الأحزاب وفق قواعد للاستحقاق والتوزيع والرقابة تضمن استقلال القرار الحزبي، إلى جانب توسيع قاعدة المساهمات الفردية الصغيرة ودراسة أدوات التمويل الجماعي ووسائل جمع التبرعات المشروعة.

كما نوقشت إمكانية مراجعة القيود المرتبطة بدعم الأشخاص الاعتبارية، وبحث تنظيم بعض صور المساهمات المالية أو العينية من الكيانات الاقتصادية والمهنية وفق ضوابط واضحة، فضلًا عن دراسة الحوافز الضريبية لأشكال الدعم المسموح بها قانونًا.

وفي المقابل، أثار المشاركون مخاوف تتعلق بتأثير المصالح المالية في القرار الحزبي، واحتمال استفادة بعض الأحزاب بصورة غير متكافئة، إلى جانب مخاطر إساءة استخدام المال في المجال السياسي.

وعكس النقاش الحاجة إلى تقييم كل بديل بصورة مستقلة، ودراسة آثاره وضماناته، مع استمرار الاختلاف حول بعض صور التمويل وآليات تطبيقها.

التواصل الرقمي والتنسيق بين الأحزاب

ناقشت المائدة ضعف معرفة المواطنين بالأنشطة الحزبية، والحاجة إلى بناء قنوات تواصل مستمرة تصل إلى دوائر أوسع من المواطنين، وتقدم رسائل واضحة ترتبط باهتمامات المجتمع.

وطُرحت زيادة الاستثمار في المحتوى الرقمي والبودكاست والمنتديات والأنشطة الثقافية، مع إتاحة مساحات أكبر للشباب للتعبير والإنتاج.

كما نوقشت فكرة إنشاء منصة أو خريطة رقمية مشتركة تعرض أنشطة الأحزاب ومواقعها ومواعيد فعالياتها وكيفية المشاركة فيها، بما يجعل الوصول إلى النشاط الحزبي متاحًا لمن هم خارج شبكات العضوية والعلاقات المباشرة.

وشددت المداخلات على أهمية بناء الثقة بين الأحزاب وتنسيق المواقف في القضايا المشتركة، مع الحفاظ على التنوع الفكري واستقلال كل حزب، إلى جانب اتساق الخطاب المعلن مع المواقف المطروحة في اللقاءات المختلفة.

مخرجات المائدة الثانية.. استكمال الحوار وإعداد مسودة للاستراتيجية

وفي ختام المناقشات، برزت مجموعة من المقترحات لتنظيم المرحلة المقبلة من الحوار، من بينها إعداد مسودة أولية لهيكل الاستراتيجية تجمع محاور المائدتين الأولى والثانية، وتحدد الأولويات والنتائج المستهدفة.

كما تضمنت المقترحات تجميع المقترحات التشريعية القائمة ومقارنتها وتحديد نقاط الاتفاق والمسائل التي تحتاج إلى مزيد من البحث، إلى جانب تعميق الحوار بشأن ملفات التمويل والنظام الانتخابي والتنظيم الحزبي وتأهيل الشباب، وربط كل ملف ببدائل عملية وآليات لتقييمها.

وطُرح كذلك تخصيص نقاش مستقل للاتحادات والتمثيل الطلابي بمشاركة أصحاب الخبرة والمعنيين، مع تبادل التجارب القابلة للتطوير في مجالات التدريب والمساعدة البرلمانية والتواصل الرقمي والانتشار المحلي.

كما جرى طرح استمرار تداول استضافة اللقاءات بين الأحزاب، بما يتيح تنوع الحضور وعمق النقاش، على أن يتم في المراحل المقبلة تحديد آليات التنفيذ والمسؤوليات والمواعيد بصورة أكثر وضوحًا.

وتعكس المائدة المستديرة الثانية استمرار النقاش حول مستقبل الحياة الحزبية في مصر، مع انتقال الحوار من تشخيص التحديات إلى طرح مسارات عملية تتعلق بالتنظيم والتمويل والتشريعات والانتخابات وتأهيل الشباب والتواصل مع المواطنين.

وتستهدف الاستراتيجية المطروحة، وفق ما عكسته المناقشات، الوصول إلى أحزاب تمتلك حضورًا اجتماعيًا وبرامج قابلة للتنفيذ، وقادرة على المنافسة وتحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة، بما يوسع مساحة المشاركة السياسية ويربط العمل الحزبي بصورة أكبر باحتياجات المواطنين والمجتمع.