حذر البنك الدولي من تراجع حاد في المعروض العالمي من النفط خلال عام 2026، متوقعًا انخفاضه بنسبة 5.2%، في أكبر تراجع منذ أكثر من أربعة عقود باستثناء فترة الركود العالمي في عام 2020، في تطور يعكس حجم الاضطرابات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية بفعل الصراع في الشرق الأوسط وتعطل إمدادات النفط.
وأوضح البنك الدولي، في أحدث تقرير له عن آفاق أسواق السلع الأولية الصادر الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أن اضطرابات إمدادات الطاقة واستنزاف المخزونات النفطية يرفعان الضغوط على الأسواق العالمية، مع امتداد تداعيات الأزمة إلى أسعار الغذاء والأسمدة وتكاليف الإنتاج والنقل.
أسعار السلع الأساسية ترتفع 23% خلال 2026
توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا بنسبة 23% خلال عام 2026، مدفوعة بزيادة تكاليف الطاقة واضطرابات الإمدادات والتجارة الدولية، فيما يُرجح أن تقفز أسعار الطاقة بنسبة 32%، لتسجل أعلى مستوياتها منذ عام 2022.
وفي سوق النفط، توقع التقرير أن يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 91 دولارًا للبرميل خلال العام، مقارنة بنحو 69 دولارًا في عام 2025، بما يعكس التأثير المباشر لتراجع الإمدادات وارتفاع المخاطر الجيوسياسية على أسعار الخام.
وأشار البنك إلى أن الأسواق تواجه عدة صدمات متزامنة، تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة وتعطل حركة التجارة وتراجع المخزونات، وهي عوامل تزيد من احتمالات استمرار الضغوط السعرية على قطاعات اقتصادية متعددة.
تراجع المعروض النفطي يضغط على الأسواق العالمية
يمثل الانخفاض المتوقع في المعروض العالمي من النفط أحد أبرز مؤشرات الأزمة الحالية، إذ يأتي التراجع البالغ 5.2% في ظل اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، بما يحد من قدرة الأسواق على تلبية احتياجات المستهلكين والقطاعات الصناعية بصورة طبيعية.
وفي الوقت نفسه، يتوقع البنك الدولي انخفاض استهلاك النفط عالميًا بنسبة 2.5% خلال 2026، وهو ثالث أكبر تراجع سنوي مسجل، بعد الانخفاضات المرتبطة بأزمة عام 2020 وأزمة النفط عام 1980.
ولا يعني تراجع الاستهلاك بالضرورة انتهاء الضغوط على الأسعار؛ إذ يرتبط جانب من الانخفاض بارتفاع تكاليف الوقود وتراجع قدرة المستهلكين والشركات على تحملها، بينما يظل المعروض النفطي تحت ضغط الاضطرابات الجيوسياسية.
ويشير هذا الوضع إلى أن ارتفاع الأسعار قد يدفع الاقتصادات والمستهلكين إلى تقليص استهلاك الطاقة، في الوقت الذي تظل فيه الإمدادات محدودة، ما يزيد حساسية الأسواق لأي اضطرابات جديدة.
الأزمة تمتد من النفط إلى الغذاء والأسمدة
لا تقتصر تداعيات تراجع الإمدادات النفطية على أسعار الوقود، بل تمتد إلى قطاعات أخرى ترتبط بالطاقة بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات الغذائية والنقل.
وتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنحو 10% خلال عام 2026، مع زيادة إضافية تُقدّر بنحو 7% خلال عام 2027، بما يرفع إجمالي الزيادة المتوقعة على مدار العامين إلى قرابة 18%.
وعزا التقرير هذه التوقعات إلى اضطراب شحنات الحبوب، ومخاطر الظواهر المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة، وهي عوامل قد تزيد أعباء الإنتاج الزراعي وتضغط على أسعار الغذاء.
كما توقع البنك ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 14% خلال 2026، قبل عودتها إلى مستويات عام 2025 في 2027، وفقًا للتقديرات الأساسية الواردة في التقرير.
وتعكس هذه المؤشرات أن اضطرابات الطاقة قد تتحول إلى ضغوط معيشية أوسع، خصوصًا في الدول المستوردة للغذاء والطاقة، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل إلى زيادة أسعار السلع الأساسية.
التضخم والنمو الاقتصادي أمام اختبار صعب
من الناحية الاقتصادية، يثير تزامن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة مخاوف من تجدد الضغوط التضخمية، إذ تتحمل الشركات تكاليف أعلى للإنتاج والنقل، وقد تنقل جانبًا منها إلى المستهلكين في صورة أسعار مرتفعة.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي وإبطاء النشاط الاقتصادي، خصوصًا في الاقتصادات التي تعاني بالفعل من محدودية الموارد المالية أو ارتفاع أعباء الديون.
وتزداد حساسية الدول منخفضة الدخل لهذه التطورات، بسبب ارتفاع أهمية الغذاء والطاقة في إنفاق الأسر، فضلًا عن محدودية قدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية لفترات طويلة.
وحذر البنك الدولي من أن تصاعد التوترات الجيوسياسية قد يدفع أسعار الطاقة والغذاء إلى مستويات أعلى من توقعاته الأساسية، بما يزيد مخاطر التضخم وانعدام الأمن الغذائي ويضغط على النمو الاقتصادي العالمي.
ماذا ينتظر أسواق السلع في 2027؟
رغم توقع البنك الدولي انخفاض أسعار السلع الأساسية إجمالًا بنسبة 7% خلال عام 2027، فإن هذا المسار يظل مرتبطًا بالافتراضات التي تستند إليها توقعاته بشأن تطورات الصراعات واضطرابات الإمدادات.
وحذر التقرير من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أو استمرار الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية الروسية قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى من التوقعات الأساسية.
وبذلك، تظل اتجاهات أسواق النفط والسلع خلال الفترة المقبلة مرتبطة بمدى استمرار اضطرابات الإمدادات وسرعة تعافي الإنتاج وحركة التجارة الدولية، وسط مخاطر من انتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى الغذاء والتضخم والنشاط الاقتصادي العالمي.
