في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية نحو تعزيز المشاركة السياسية وتمكين مختلف فئات المجتمع، تبرز "الكوتة" كنظام يهدف إلى تحقيق التوازن والعدالة في التمثيل داخل المجالس المنتخبة، سواء في البرلمان أو المجالس المحلية. ورغم أن المصطلح يتردد كثيرًا في النقاشات السياسية والإعلامية، إلا أن كثيرين ما زالوا يتساءلون: ما المقصود بالكوتة؟ ولماذا تُعد أداة مهمة في الحياة الديمقراطية؟
الكوتة أو نظام الحصص المخصصة هو آلية قانونية تُحدد نسبة معينة من المقاعد لفئة بعينها، بهدف ضمان تمثيلها في مؤسسات صنع القرار. وتأتي هذه الخطوة في إطار دعم فئات لم تكن تحظى بفرص كافية للمشاركة السياسية، مثل المرأة، والشباب، وذوي الإعاقة، والمسيحيين.
ففي التجربة المصرية، تمثل الكوتة أداة لضمان شمول العملية السياسية لجميع فئات المجتمع، بحيث لا يقتصر التمثيل على فئات بعينها تمتلك الخبرة أو النفوذ أو القدرة على خوض المنافسة الانتخابية. وبموجب التعديلات الدستورية الأخيرة، تم تخصيص نسبة لا تقل عن 25% من مقاعد مجلس النواب للمرأة، وهي خطوة وُصفت بأنها من أهم إنجازات الدولة في دعم تمكين النساء سياسياً.
ولا تقتصر فكرة الكوتة على المرأة فقط، بل تمتد لتشمل الشباب وذوي الإعاقة، انطلاقًا من مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص. فوجود كوتة للشباب، على سبيل المثال، يضمن ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات التشريعية، ويسمح لهم بالمشاركة في صياغة مستقبلهم بأنفسهم، بدلاً من البقاء في موقع المتفرج. كما تتيح كوتة ذوي الإعاقة تمثيلًا واقعيًا لهم في البرلمان، يعبر عن احتياجاتهم ويضمن أن تكون قضاياهم مطروحة بجدية على أجندة الدولة.
ويرى خبراء في الشأن السياسي أن الكوتة أسهمت في تعزيز حضور الفئات المهمشة داخل المشهد العام، إذ بات للمرأة والشباب صوت مؤثر في القرارات والقوانين، كما أصبح تمثيل ذوي الهمم خطوة تعكس احترام الدولة لمبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. ويؤكد هؤلاء أن المشاركة المتنوعة داخل البرلمان تجعل التشريعات أكثر شمولًا وعدالة، لأنها تُبنى على تجارب واحتياجات حقيقية من الواقع المجتمعي.
وفي المقابل، يعتقد البعض أن نظام الكوتة يجب أن يكون مؤقتًا، حتى لا يتحول إلى قاعدة دائمة. فالمطلوب – من وجهة نظرهم – هو تمكين الفئات المختلفة بالخبرة والوعي والثقة، بحيث تصبح قادرة على المنافسة الانتخابية دون الحاجة إلى نسب محددة تفرضها القوانين.
ويشير محللون إلى أن الكوتة، رغم كونها إجراءً استثنائيًا، إلا أنها تظل وسيلة مهمة لإحداث التغيير الإيجابي في المجتمعات النامية، لأنها تمنح فئات جديدة الفرصة لاكتساب الخبرة والمشاركة في صنع القرار. ومع مرور الوقت، تساهم في تغيير الثقافة المجتمعية حول دور المرأة والشباب وذوي الإعاقة، لتتحول المشاركة إلى سلوك طبيعي بدلاً من أن تكون استثناءً.
وبين مؤيد ومعارض، يبقى الثابت أن "الكوتة" هي جسر العبور نحو تمثيل أكثر عدلاً وتنوعًا داخل المؤسسات المنتخبة، وخطوة ضرورية على طريق بناء مجتمع ديمقراطي يضمن أن يكون لكل مواطن صوتٌ مسموع ومكانٌ في صناعة المستقبل.
