تُعد العلاقات بين مصر وجنوب أفريقيا نموذجًا فريدًا في التاريخ الأفريقي الحديث، حيث تشكلت عبر مسار طويل من النضال المشترك ضد الاستعمار والعنصرية، وتطورت لتصبح شراكة سياسية واستراتيجية تمتد من دعم حركات التحرر الوطني إلى التنسيق الإقليمي والدولي، وصولًا إلى ساحات التنافس الرياضي، وعلى رأسها كرة القدم.

مصر ودعم حركات التحرر في أفريقيا

خاضت مصر معركتها ضد الاستعمار منذ وقت مبكر، ومع حصولها على الاستقلال، تبنّت سياسة واضحة في دعم حركات التحرر الوطني في القارة الأفريقية. وانطلاقًا من هذا الدور، انضمت مصر إلى النظام العالمي المناهض لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، رافضة أي شكل من أشكال التمييز العنصري أو الاستعمار.

ومع سقوط نظام الفصل العنصري وإقامة أول حكومة وحدة وطنية في جنوب أفريقيا عام 1994، سارعت مصر إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية مع بريتوريا، وفتحت صفحة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي. وتولي القاهرة أهمية خاصة لتعزيز علاقاتها مع جنوب أفريقيا باعتبارهما أكبر دولتين في القارة، تمثلان قطبيها الشمالي والجنوبي، وتمتلكان ثقلًا سياسيًا وموقعًا جغرافيًا يؤهلهما للعب أدوار فاعلة إقليميًا ودوليًا.

العلاقات السياسية بين مصر وجنوب أفريقيا

أولًا: التمثيل الدبلوماسي

تأسست أول بعثة دبلوماسية لجنوب أفريقيا في مصر عام 1942 كقنصلية عامة خلال عهد الملك فاروق، ثم تحولت إلى مفوضية عام 1949 بعد قرار مجلس الوزراء المصري رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع اتحاد جنوب أفريقيا. واستمر هذا الوضع حتى 30 مايو 1960، عندما قررت مصر قطع العلاقات الرسمية دعمًا لحركات التحرر في جنوب أفريقيا ورفضًا للتعامل مع النظام العنصري.

وفي أكتوبر 1993، أعلنت وزارة الخارجية المصرية استئناف العلاقات الدبلوماسية مع جنوب أفريقيا، وتم افتتاح مكاتب تمثيل في القاهرة وبريتوريا، قبل أن يتم رفع مستوى التمثيل إلى سفارات عقب الانتخابات العامة في جنوب أفريقيا في أبريل 1994.

ثانيًا: العلاقات السياسية قبل عام 1952

منذ بداية العلاقات الدبلوماسية عام 1942 وحتى قيام ثورة يوليو 1952، اتسمت العلاقات المصرية – الجنوب أفريقية بالطابع البروتوكولي، حيث تبادلت القيادتان الرسائل الرسمية دون وجود قضايا سياسية خلافية بارزة، باستثناء الخلاف الذي ظهر عام 1947 بسبب موقف جنوب أفريقيا من القضية الفلسطينية.

ومن الرموز البروتوكولية اللافتة في تلك الفترة، احتفاظ جنوب أفريقيا حتى اليوم بسيارة الملك فاروق الشهيرة من طراز مرسيدس بنز 540K موديل 1936، والتي أهداها له الزعيم الألماني أدولف هتلر عام 1938. 

وتُعرض السيارة حاليًا في متحف فرانسشويك بمدينة كيب تاون، بعد أن تنقلت بين أوروبا وجنوب أفريقيا عبر مزادات عالمية، وتم تجديدها بقطعها الأصلية لدى شركة مرسيدس في ألمانيا.

ويُعد متحف فرانسشويك من أبرز متاحف السيارات الكلاسيكية في العالم، ويضم أيضًا سيارة الرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا من طراز BMW الفئة السابعة المدرعة.

كما شهدت الأربعينيات تواصلاً بروتوكوليًا مهمًا بين البلدين بشأن نقل رفات رضا خان بهلوي، مؤسس الأسرة البهلوية في إيران، والذي توفي في منفاه بجنوب أفريقيا عام 1944، حيث تولى الملك فاروق التنسيق لنقل رفاته إلى القاهرة ودفنه مؤقتًا في مسجد الرفاعي، قبل إعادته إلى إيران عام 1950.

الخلاف حول القضية الفلسطينية

بدأ الفتور الحقيقي في العلاقات عام 1947، عندما صوت اتحاد جنوب أفريقيا لصالح قرار تقسيم فلسطين، ثم أعلن اعترافه بدولة إسرائيل في مايو 1949، ليصبح من أوائل الدول الأفريقية التي دعمت الكيان الصهيوني، وهو ما أثار غضب القاهرة وأسهم في تدهور العلاقات لاحقًا.

ثالثًا: العلاقات من 1952 إلى 1970

شهد الدور المصري في أفريقيا تصاعدًا كبيرًا عقب ثورة يوليو 1952 بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث أصبحت القاهرة مركزًا رئيسيًا لدعم حركات التحرر الوطني في القارة. وكان عام 1960، الذي شهد استقلال 17 دولة أفريقية، نقطة تحول مفصلية، إذ قطعت مصر علاقاتها رسميًا مع اتحاد جنوب أفريقيا دعمًا لنضال الأغلبية السوداء ضد نظام الفصل العنصري.

نيلسون مانديلا ومصر: علاقة نضال وتاريخ

الزيارة الأولى (1961)

استضافت مصر الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا عام 1961 في مقر الجمعية الأفريقية بمنطقة الزمالك، التي عُرفت باسم "بيت أفريقيا"، وكانت مركزًا رئيسيًا لدعم حركات التحرر الأفريقية. وجاء مانديلا إلى مصر سرًا بعد رحلة شاقة سيرًا على الأقدام إلى جنوب السودان، ثم جوًا إلى القاهرة، حيث أقام قرابة عام كامل، وأدار من القاهرة أنشطة حزبه "المؤتمر الوطني الأفريقي".

ومنذ تلك الزيارة، ارتبط مانديلا بعلاقة خاصة مع مصر، التي اعتبرها نموذجًا حضاريًا ونضاليًا ملهمًا.

الاعتقال والسجن

عاد مانديلا إلى جنوب أفريقيا عام 1962، ليتم اعتقاله والحكم عليه بالسجن المؤبد عام 1964، وقضى 27 عامًا خلف القضبان، قبل الإفراج عنه عام 1990 تحت ضغط دولي واسع.

الزيارة الثانية (1990)

بعد الإفراج عنه، حرص مانديلا على أن تكون مصر أول دولة يزورها، حيث استقبلته القاهرة استقبال الأبطال. وألقى كلمة مؤثرة في الجمعية الأفريقية، عبّر فيها عن امتنانه للدور المصري في دعم نضاله، مؤكدًا أن القاهرة كانت مركزًا عالميًا لحركات التحرر.

وفي مذكراته، أشاد مانديلا بالحضارة المصرية القديمة، واعتبرها دليلًا تاريخيًا على عظمة الإسهام الأفريقي في الحضارة الإنسانية، كما رأى في تجربة جمال عبد الناصر نموذجًا للإصلاح والتنمية الوطنية.

رابعًا: العلاقات بعد سقوط نظام الفصل العنصري

شهدت العلاقات الرسمية انطلاقة حقيقية منذ عام 1993، وشاركت مصر في حفل تنصيب مانديلا رئيسًا لجنوب أفريقيا عام 1994. وتم إنشاء لجنة مشتركة للتعاون عام 1995، ركزت على تعزيز التبادل التجاري والاستثماري.

الزيارة الثالثة لمانديلا (1997)

زار مانديلا مصر للمرة الثالثة عام 1997 بصفته رئيسًا منتخبًا، وحصل على قلادة النيل، أعلى وسام مصري، فيما أهدى الرئيس المصري وسام فرسان رأس الرجاء الصالح. وأكد الجانبان الدخول في شراكة استراتيجية من أجل السلام والتنمية.

العلاقات بعد مانديلا

شهدت العلاقات زيارات رئاسية متبادلة، أبرزها زيارة الرئيس المصري إلى جنوب أفريقيا عام 2008، وزيارة الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما إلى القاهرة عام 2010، والتي أسفرت عن توقيع عدة مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة، الصحة، السياحة، والرياضة.

العلاقات بعد 2011 و30 يونيو 2013

مرت العلاقات بفترة جمود مؤقت بعد ثورة يناير 2011، لكنها سرعان ما استعادت زخمها عقب ثورة 30 يونيو 2013، مع تبادل الزيارات الرسمية والتنسيق السياسي، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب، وتكنولوجيا المعلومات، ومبادرة ممر القاهرة – كيب تاون.

مصر وجنوب أفريقيا: بريكس والاتحاد الأفريقي

تجمع مصر وجنوب أفريقيا رؤية مشتركة حول إصلاح مجلس الأمن الدولي، والتنمية المستدامة، ومكافحة الإرهاب. ومع تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019، وتولي جنوب أفريقيا رئاسة الاتحاد عام 2020، تعزز التنسيق بين البلدين لتحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063.

كرة القدم تجمع مصر وجنوب أفريقيا في أمم أفريقيا 2025

بعيدًا عن السياسة، تتجدد المنافسة بين مصر وجنوب أفريقيا في ملاعب كرة القدم، حيث يلتقي المنتخبان ضمن منافسات كأس الأمم الأفريقية 2025 المقامة في المغرب.

ويخوض المنتخب المصري منافسات المجموعة الثانية إلى جانب منتخبات أنجولا، جنوب أفريقيا، وزيمبابوي. ومن المقرر أن يلتقي الفراعنة مع منتخب جنوب أفريقيا مساء الجمعة 26 ديسمبر على ملعب أدرار، في تمام الساعة 5:00 مساءً بتوقيت القاهرة.

تاريخ مواجهات مصر وجنوب أفريقيا

وفقًا لإحصائيات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، التقى المنتخبان في 14 مباراة سابقة، فازت مصر في 4 مباريات، بينما فازت جنوب أفريقيا في 8 مباريات، وتعادلا في مباراتين.

وفي تاريخ مواجهاتهما ببطولة كأس الأمم الأفريقية، التقى المنتخبان في 3 مباريات، فازت مصر في 3 مواجهات، بينما فازت جنوب أفريقيا في مباراة واحدة، وسجل الفراعنة 3 أهداف، مقابل هدف وحيد في شباكهم.