تظل العلاقة بين الرياضة والسياسة في الوطن العربي علاقة شائكة، تتأرجح دائماً بين الشعبية الجارفة وبين الصدام مع واقع مراكز القوى، وفي تونس، لا يوجد مثال يجسد هذا التداخل المعقد أكثر من الأسطورة "طارق ذياب".. الرجل الذي لُقب بـ "إمبراطور" الكرة التونسية، والوحيد الذي نال الكرة الذهبية الأفريقية في تاريخ بلاده، وجد نفسه يخوض مباراة من نوع آخر، لم تكن على عشب الملعب، بل في أروقة الوزارة ومنابر الجدل السياسي.
من الملاعب إلى المنفى الاختياري طارق ذياب لم يكن يوماً مجرد لاعب كرة قدم موهوب في صفوف الترجي الرياضي؛ بل كان رمزاً للتمرد الفني والذكاء الميداني.. هذا الذكاء هو ما جعل صدامه مع السلطة السياسية في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أمراً حتمياً.. بدأت ملامح تداخل السياسة في مسيرته حين رفض الانصياع لإرادة بعض المقربين من النظام في إدارة الشأن الرياضي، مما أدى لتهميشه ومضايقته، وانتهى به الأمر بالرحيل نحو قطر للعمل كمحلل رياضي، ليتحول من "نجم محلي" إلى "صوت عربي" مسموع ينتقد الأوضاع بجرأة غير معهودة.
وزير "الثورة" وصدمة الواقع بعد ثورة 14 يناير 2011، عاد ذياب إلى تونس كبطل شعبي، ولم يطل به المقام حتى تم اختياره وزيراً للشباب والرياضة في حكومة الجبالي ثم العريض (المحسوبة على تيار الإسلام السياسي - حركة النهضة).. هنا بدأت التجربة الأكثر جدلاً؛ حيث تحول "الإمبراطور" من ناقد للسلطة إلى جزء منها.. واجه طارق ذياب حرباً شعواء، ليس فقط من معارضيه السياسيين، بل من المنظومة الرياضية القديمة، اتهمه البعض بالولاء الحزبي، بينما رآه محبوه "مصلحاً" يحاول تطهير الرياضة من الفساد الذي استشرى لعقود.
صدامه الشهير مع "وديع الجريء"، رئيس الجامعة التونسية لكرة القدم، كان تجسيداً حياً لصراع الصلاحيات بين الوزارة (السياسة) والاتحاد (الرياضة).. في تلك الفترة، أدرك طارق ذياب أن تسجيل هدف في مرمى الخصوم السياسيين أصعب بكثير من مراوغة مدافعي أفريقيا، خاصة عندما هدد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتجميد نشاط تونس بسبب ما اعتبره "تدخلاً حكومياً" في الشأن الرياضي.
خسارة المنصب واحتفاظ بالرمزية انتهت رحلة ذياب في الوزارة بانتهاء مهام حكومة الترويكا، لكن الجدل لم ينتهِ.. ظل طارق ذياب محتفظاً بآرائه السياسية المعلنة، وهو ما كلفه أحياناً جزءاً من شعبيته لدى قطاع من الجمهور الذي يفضل فصل الرياضة عن التوجهات الأيديولوجية.. ومع ذلك، أثبتت تجربة طارق ذياب أن النجومية الرياضية هي "رأسمال سياسي" مغرٍ للسلطة، لكنها في الوقت ذاته "حقل ألغام" قد يحرق تاريخ اللاعب إذا لم يتقن قواعد اللعبة السياسية بنفس براعته في "المستطيل الأخضر".
يبقى طارق ذياب حالة استثنائية في تداخل الرياضة بالسياسة؛ فهو اللاعب الذي تحدى النظام وهو في عز مجده، والوزير الذي حاول تغيير "قواعد اللعبة" من الداخل، والمحلل الذي عاد لمقعده ليرقب المشهد من بعيد.. قصته تلخص واقعاً عربياً مريراً فـ الرياضي لا يمكنه الهروب من السياسة، والسياسي لا يمكنه الاستغناء عن سحر الرياضة، وبين هذا وذاك تضيع أحياناً ملامح الأسطورة في زحام المعارك الحزبية.
