تونس، هذه الدولة المتوسطية العريقة، لم تكن الرياضة فيها مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة جسدية عابرة، بل كانت على الدوام مرآة عاكسة وميدانًا موازيًا للمشهد السياسي والاجتماعي.

فمنذ عقود الاستعمار مرورًا بالعهد البورقيبي، ثم حقبة بن علي، ووصولًا إلى ما بعد ثورة 2011، اختلطت حكايات كرة القدم وغيرها من الرياضات بمسارات السياسة الوطنية.

وتعود جذور هذا الامتزاج إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث كانت الأندية الرياضية الوطنية، وعلى رأسها الترجي الرياضي التونسي والنادي الإفريقي، تُنشأ كرد فعل على الأندية التي أسسها المستعمر، هذه الأندية لم تكن مجرد ساحات للمنافسة، بل كانت بؤرًا للمقاومة الثقافية والاجتماعية، وتضمنت في صفوفها نخب الحركة الاستقلالية، كالحبيب بورقيبة الذي ارتبط بالترجي، كانت الرياضة وسيلة لغرس الهوية الوطنية ورفض التبعية.

بعد الاستقلال، لم يتوقف هذا الارتباط، بل اتخذ شكلًا جديدًا فـ اعتمدت القيادات السياسية المتعاقبة سياسة توظيف الرياضة، وخاصة كرة القدم، لخدمة أجنداتها.

وقد شهدت تونس محاولات لتوحيد الهياكل الرياضية وربطها بالسياسة الرياضية القومية، مما يبرهن على أهمية الشأن الرياضي لدى القيادة السياسية.

وتحولت الرياضة إلى أداة لتعزيز نفوذ مراكز القوى في النظام السابق، وظهرت ظاهرة سيطرة بعض أصهار الرئيس ورجال السلطة على الأندية الكبرى، مستغلين مناصبهم للتحكم في القرارات الرياضية والنتائج، هذه الفترة تجسد قمة تسييس الرياضة وتحويلها إلى أهواء شخصية.

شهد التاريخ التونسي عدة مواقف ساطعة تداخلت فيها السياسة والرياضة بشكل علني، فـ بعد ثورة 14 يناير 2011، شهدت تونس ظاهرة اقتحام المسؤولين الرياضيين لملعب السياسة، حيث ترشح وفاز رؤساء أندية واتحادات رياضية بمقاعد في البرلمان، كان هذا الانتقال يهدف، كما صرح البعض، إلى المساهمة في بناء الديمقراطية ورفع القضايا الرياضية داخل المؤسسة التشريعية؛ لكنه أثار جدلًا حول مدى نجاحهم في الفصل بين مسؤولياتهم المزدوجة.

في حقبة ما بعد الثورة، تحولت الملاعب إلى أحد المساحات القليلة المتبقية للشباب للتعبير عن سخطهم على الأوضاع السياسية والاقتصادية، كانت جماهير الألتراس تستخدم الهتافات والشعارات و"التيفو" لرفع رسائل سياسية واجتماعية واضحة، متجاوزة حدود الملعب لتصبح صوتًا شعبيًا ناقدًا.

مؤخرًا، كان هناك سعي واضح لوضع حد لظاهرة الجمع بين المناصب السياسية والمسؤوليات الرياضية، حيث أصدر الرئيس قيس سعيد قانونًا انتخابيًا جديدًا يمنع المسؤولين الرياضيين والجمعويين من الترشح للانتخابات إلا بعد مرور فترة زمنية على استقالتهم، هذه الخطوة تعكس محاولة جديدة لـ"تحييد الرياضة عن السياسة" بعد عقود من الامتزاج.

يبقى المشهد الرياضي التونسي شاهدً حيًا على أن الرياضة، وخاصة كرة القدم، لم تكن ولن تكون بمعزل عن الديناميكيات السياسية والاجتماعية، بل هي ملعب واسع يختصر تاريخ الأمة وصراعاتها.