في شوارع تونس العاصمة، لا يمكن فصل الحديث عن كرة القدم عن التاريخ الوطني، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالعملاق الأصفر والأحمر، الترجي الرياضي التونسي.
تأسس النادي في 15 يناير 1919، ومنذ ذلك الحين لم يكن الترجي مجرد فريق رياضي، بل تحول إلى مؤسسة اجتماعية وسياسية موازية، ولعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الوطني والهوية التونسية قبل وبعد الاستقلال.
الولادة في زمن المقاومة العلاقة بين الترجي والسياسة ليست وليدة اليوم، بل هي متأصلة في لحظة تأسيسه، ففي الوقت الذي كانت فيه تونس تحت الحماية الفرنسية، كان تأسيس الترجي يمثل تحديًا ثقافيًا ورياضيًا للاحتلال.
أسم النادي نفسه، المأخوذ من "مقهى الترجي" الشعبي، كان يعكس الانتماء للجذور التونسية، أثناء فترة الكفاح الوطني، كان الترجي بمثابة غطاء للمقاومين وملاذ للطلاب والشباب الوطنيين.. العديد من قيادات النادي وجماهيره كانوا منخرطين بشكل مباشر في الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، لقد كانت مبارياته، وخاصة ضد الفرق المرتبطة بالاستعمار، بمثابة معارك رمزية، حيث كان الفوز في الملعب يعزز الشعور بالفخر والقدرة على المقاومة في الشارع.
بعد استقلال تونس عام 1956، لم يتراجع الدور السياسي للترجي، بل تغيرت طبيعته، ارتبط النادي بشكل وثيق بنخبة الحكم في العهد البورقيبي ثم في عهد زين العابدين بن علي.
لُقب الترجي أحيانًا بـ "نادي الدولة" أو "نادي البايات"، في إشارة إلى القرب العضوي بين إداراته ورؤسائه وكبار المسؤولين في الدولة، هذا القرب منح الترجي دعمًا ماديًا ومعنويًا لا يُستهان به، وساهم في ترسيخ هيمنته الرياضية محليًا وقاريًا؛ لكنه أيضًا جعله في مرمى الانتقادات بصفته الأداة الرياضية للسلطة.
على الرغم من ذلك، ظلت شعبيته الجارفة تمثل قوة ضغط شعبية لا يمكن تجاهلها.
في العصر الحديث، وخاصة بعد ثورة 2011، برز دور جماهير الترجي (الـ "الفيراج") كقوة سياسية واجتماعية مستقلة، كانت جماهير الأندية الكبرى، بما في ذلك الترجي، سبّاقة في استخدام الشعارات المناهضة للاستبداد والفساد قبل الثورة.
تحولت المدارج من مجرد أماكن لتشجيع الفريق إلى منصات حرة للتعبير السياسي.
بعد الثورة، لعبت مجموعات "الأولتراس" (Ultras) دورًا كبيرًا في الدفاع عن الحريات الجديدة، حيث كانت هتافاتها وشعاراتها تعكس المزاج العام للشارع التونسي وتنتقد بشكل مباشر الأداء الحكومي والطبقة السياسية الجديدة، لقد أصبح "الفيراج" بمثابة برلمان شعبي غير رسمي، يمارس النقد بقوة وتأثير.
يبقى الترجي الرياضي التونسي أيقونة تونسية، يجمع بين التاريخ المظفر والسيطرة الرياضية، وبين كونه حاملًا لواء الوطنية ومنتقدًا للسلطة في آن واحد، علاقته بالسياسة هي علاقة تفاعلية تارة يمثل ذراعًا للدولة، وتارة أخرى يتحول إلى صرخة الجماهير ضدها.. هذه الازدواجية هي ما يمنح "المكشخة" (الترجي) دائمًا هذا الثقل الذي يجعله أكثر من مجرد فريق كرة قدم، بل جزءًا حيًا ونابضًا من تاريخ وتطور الجمهورية التونسية.
