لم تكن الرياضة في تونس إبان فترة "الحماية الفرنسية" مجرد نشاط ترفيهي أو بدني، بل كانت ساحة أخرى للصراع والمقاومة الوطنية، فبينما عمدت الإدارة الاستعمارية إلى تأسيس أندية خاصة بالجالية الفرنسية والإيطالية والمالطية واليهودية كجزء من أدوات الهيمنة والتغريب، برزت الأندية التونسية الوطنية لتكون حصونًا للهوية ونواة للوعي الوطني.
مع مطلع القرن العشرين، بدأ المستعمرون في تأسيس الفرق الرياضية، كانت هذه الأندية تهدف في الأساس إلى تلبية احتياجات الجاليات الأجنبية المقيمة وتكريس الوجود الفرنسي ثقافيًا ورياضيًا، من الأمثلة البارزة على هذه الأندية "راسينغ كلوب تونس، وسبورتينغ تونس التي كانت فرقًا فرنسية، إلى جانب أندية أخرى للجاليات الأخرى مثل "إيطاليا دي تونس" شكلت هذه الأندية الهيكل الأولي للبطولات الرياضية، حيث كانت الرئاسة غالبًا حكرًا على الفرنسيين وفقًا لشروط سلطات الحماية.
في المقابل، شهدت أواسط العشرينات من القرن الماضي تزايدًا في الوعي لدى نخبة من الشبان التونسيين، فبدأت مساعي تأسيس الأندية الوطنية كـالترجي الرياضي التونسي (1919) والنادي الإفريقي (1920).. لم يكن تأسيس هذه الفرق أمرًا سهلًا، بل كان نضالًا مستمرًا للحصول على التراخيص ورفض الشروط التعجيزية التي كان يفرضها المستعمر، مثل تعيين رئيس فرنسي.
الترجي الرياضي تأسس في باب سويقة، واضطر في البداية لتعيين رئيس فرنسي (إيميل زريق) للحصول على الترخيص؛ لكن الوطنيين سرعان ما عملوا على تونسة النادي وتسميته "الترجي الرياضي التونسي".
النادي الإفريقي واجه صعوبات أكبر في البداية، إذ رفضت السلطات تأسيسه تحت مسمى "النادي الإسلامي الإفريقي"، لكن بعد جهود مضنية، تمكن المؤسسون من الحصول على موافقة رسمية في 1920، مشترطين أن يكون الرئيس تونسيًا (البشير بن مصطفى).
لم يقتصر التحدي على التأسيس فحسب، بل امتد إلى تفاصيل أخرى كاختيار الألوان والأسماء حيث اعتمدت الأندية الوطنية مثل الترجي والإفريقي على اللونين الأحمر والأبيض، وهما ألوان العلم التونسي، كرمز للانتماء والهوية.
كما حملت بعض الأسماء دلالات وطنية ودينية، مثل "النادي الإفريقي" و"النجم الساحلي" و"النادي التونسي" (الاسم السابق للنادي الصفاقسي)، لتؤكد على هوية البلاد في مواجهة سياسة التغريب.
في زمن الاستعمار، تحولت مباريات كرة القدم بين الأندية التونسية والفرق الاستعمارية إلى ما يشبه المعارك الوطنية الرمزية.
كانت انتصارات الفرق التونسية مصدر فخر ورمزًا للصمود، وكانت الجماهير التونسية تحضر هذه المباريات ليس فقط للتشجيع الرياضي، بل لتأكيد الوجود الوطني والرفض الشعبي للاحتلال. لقد نجحت هذه الأندية في أن تكون أداة فاعلة في تأطير الشباب وتنمية الوعي الوطني، مسهمةً بذلك في الحركة الثقافية والسياسية التي قادت البلاد نحو الاستقلال.
