لطالما تجاوزت كرة القدم في تونس حدود الرياضة لتصبح مرآة عاكسة للتحولات السياسية والاجتماعية في البلاد، الأندية التونسية الكبرى، وعلى رأسها الترجي الرياضي والنادي الإفريقي والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي، ليست مجرد فرق رياضية، بل هي مؤسسات ذات امتداد شعبي وجغرافي عميق، ولها تاريخ طويل من التداخل مع السلطة.
يعود الارتباط بين الأندية التونسية والسياسة إلى فترة الاستعمار، حيث تأسست العديد من الأندية الوطنية التي لم يكن مسموحًا بتأسيسها في البداية لتكون مراكز للمقاومة الوطنية ووعاءً للنخب التونسية. هذا الإرث منح الأندية شرعية شعبية هائلة.
في عهود الحكم اللاحقة، تحول هذا الدور إلى علاقة توظيف متبادل فكانت الأنظمة السابقة (الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي) تدرك قوة الشارع الرياضي، فسعت للسيطرة على الأندية الكبرى من خلال تعيين شخصيات مقربة من الحكم في المناصب الإدارية العليا، لتصبح الأندية أحيانًا أدوات لـتوجيه الرأي العام أو استيعاب طاقات الشباب وتفريغها في إطار رياضي آمن.
لم يخفِ رؤساء تونس السابقون انتماءهم الرياضي، ما جعل الدعم المالي واللوجستي يميل نحو أندية بعينها مثل ارتباط الباجي قائد السبسي بالترجي وزين العابدين بن علي بالنجم الساحلي، مما عزز من الحساسيات الجهوية والمناطقية بين الجماهير.
رغم القيمة التسويقية الجيدة لأندية مثل الترجي الذي تتجاوز قيمته التسويقية 18 مليون يورو، فإن الأندية التونسية تواجه تحديات مالية كبرى دفعت بعضها للبحث عن عقود رعاية أجنبية ضخمة، وهي صفقات أثارت في بعض الأحيان جدلًا واسعًا حول محاولات "التوظيف السياسي" لرأس المال الأجنبي والتأثير على المشهد الرياضي والسياسي الداخلي.
خلاصة القول، فإن الأندية التونسية هي بنى شعبية وسياسية بامتياز، تتجاذبها أيدي رجال أعمال متطلعين للسلطة، وضغوط جماهيرية ترفع صوتها ضد الظلم، ومحاولات مستمرة من السلطة لتجيير هذا الشغف الهائل، الملعب في تونس ليس مجرد مستطيل أخضر، بل هو منبر للرأي العام وجزء لا يتجزأ من السجل السياسي للبلاد.
