لم تكن علاقة النادي الإسماعيلي بمدينة الإسماعيلية مجرد علاقة "نادي بجمهوره"، بل كانت دائماً علاقة دم ومصير.. وفي عام 1956، حين تعرضت مصر للعدوان الثلاثي (الغاشم) من قبل إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، لم يكتفِ "الدراويش" بكونهم سفراء للكرة الجميلة، بل تحول النادي العريق إلى قلعة للمقاومة الشعبية، وكتب لاعبو الإسماعيلي وجماهيره فصلاً من ذهب في تاريخ النضال الوطني المصري.
منذ اللحظات الأولى للعدوان، اتخذت المقاومة الشعبية في مدينة الإسماعيلية من مقر النادي القديم مركزاً لتجمع الفدائيين، لم تعد غرف الملابس مكاناً لتبديل القمصان، بل مخازن للسلاح والذخيرة، ومنطلقاً لعمليات نوعية استهدفت معسكرات الاحتلال البريطاني في منطقة القناة.
كان لاعبو الإسماعيلي في طليعة الشباب الذين لبوا نداء الوطن، حيث انخرط عدد كبير منهم في صفوف "الحرس الوطني" والمقاومة الشعبية، مؤمنين بأن الدفاع عن الأرض يسبق الركض خلف الكرة.
تذكر السجلات التاريخية أن لاعبي الإسماعيلي في ذلك الوقت، ومنهم أسماء حفرت في الوجدان مثل بيجو، وسيد أبو جريشة، والكومي، كانوا يشكلون مع جماهيرهم نسيجاً واحداً ضد المحتل، لم يهرب اللاعبون من جحيم القصف، بل استمروا في المدينة، وشاركوا في تنظيم الدفاع عن الأحياء السكنية وتأمين الإمدادات للأهالي.
كانت "روح الدراويش" هي المحرك للشارع الإسماعيلي، حيث استغل النادي شعبيته الجارفة لتحفيز الشباب على الانضمام لصفوف المقاومة وكسر هيبة العدو.
خلال فترة العدوان وما بعدها، لم يتوقف دور الإسماعيلي عند حمل السلاح؛ بل استُخدمت الرياضة كوسيلة لرفع الروح المعنوية المنهكة نتيجة الدمار، نُظمت مباريات ودية "خاطفة" في مناطق قريبة من المواجهات لتأكيد فكرة الصمود، وأن الحياة لن تتوقف رغم القنابل.. كما لعب النادي دوراً اجتماعياً محورياً في رعاية أسر الشهداء والمصابين من أبناء المدينة، ليتحول من مؤسسة رياضية إلى "مؤسسة إغاثية" وطنية بامتياز.
رغم أن دور الإسماعيلي في 1956 كان بطولياً، إلا أنه مهد الطريق للملحمة الأكبر عقب نكسة 1967، حيث استلهم النادي روح المقاومة من العدوان الثلاثي ليقوم بجولاته الشهيرة في الدول العربية لجمع التبرعات لصالح المجهود الحربي وإعادة بناء الجيش المصري، وهي الرحلات التي أسفرت عن جمع مبالغ ضخمة وتوجت بفوز الإسماعيلي بلقب دوري أبطال أفريقيا 1969 كأول نادٍ مصري وعربي يحقق هذا الإنجاز، ليثبت للعالم أن المقاومة والنجاح يولدان من رحم المعاناة.
