في قلب واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث، يعود مضيق هرمز ليتصدر المشهد باعتباره النقطة الأكثر حساسية وتأثيراً في معادلة الصراع. فالمضيق الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، لا يمثل مجرد ممر مائي، بل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، وأي تعطيل فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية وأسعار النفط والغاز.
وسط هذا التصعيد، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب إقليمي يتبنى موقفاً أكثر وضوحاً مقارنة بغيره، مع مؤشرات متزايدة على استعدادها للانخراط في تحالف بحري دولي يهدف إلى تأمين حرية الملاحة في المضيق. هذا التوجه لا يبدو عابراً، بل يعكس تحولاً في طبيعة الدور الإماراتي، من مراقب حذر إلى فاعل مباشر في إدارة الأزمات البحرية.
وضوح سياسي وتحركات مبكرة
منذ بداية التوتر، أرسلت أبوظبي إشارات متتالية تؤكد استعدادها للمشاركة في أي ترتيبات دولية لحماية الملاحة. البيان المشترك الذي نُشر عبر وكالة الأنباء الإماراتية، بمشاركة دول غربية وآسيوية، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل حمل دلالة عملية على الانخراط المحتمل في تحالف متعدد الجنسيات.
كما كشفت تقارير إعلامية عن تواصل إماراتي مع الولايات المتحدة وحلفائها لبحث تشكيل قوة بحرية قادرة على إعادة تأمين المضيق، بل والمساهمة في حشد دعم دولي واسع لما بات يُعرف بـ"قوة أمن هرمز". هذا التحرك يضع الإمارات في موقع متقدم مقارنة ببعض الدول التي لا تزال تفضّل التريث أو الحلول الدبلوماسية.
تصريحات رسمية تعكس تحولاً
التوجه الإماراتي لم يقتصر على التسريبات، بل تدعمه تصريحات رسمية. فقد أشار أنور قرقاش إلى احتمال انضمام بلاده لجهود دولية تقودها واشنطن لحماية الملاحة، مؤكداً أن المشاورات لا تزال جارية.
في المقابل، عبّر يوسف العتيبة عن موقف أكثر صراحة، مشدداً على استعداد بلاده للمشاركة الفعلية في تأمين المضيق، ومؤكداً أن حماية الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة لا يمكن تركها لطرف واحد. هذا التصعيد في الخطاب يعكس انتقالاً من مرحلة التحذير إلى الاستعداد التنفيذي.
دوافع أمنية مباشرة
تتصدر الاعتبارات الأمنية دوافع الإمارات، خاصة في ظل تعرضها لهجمات متكررة بطائرات مسيرة وصواريخ، طالت منشآت حيوية وبنية تحتية استراتيجية. هذه التهديدات تجعل من تأمين مضيق هرمز جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني، وليس مجرد التزام دولي.
كما أن القرب الجغرافي من إيران يضاعف من حساسية الموقف، حيث ينعكس أي تصعيد في المضيق بشكل مباشر على الأمن القومي الإماراتي، وهو ما يفسر سرعة تحركها مقارنة بدول أبعد عن بؤرة التوتر.
أبعاد اقتصادية حاسمة
إلى جانب الأمن، تلعب المصالح الاقتصادية دوراً محورياً. فالإمارات تُعد مركزاً تجارياً ولوجستياً عالمياً، يعتمد على استقرار الممرات البحرية. وأي اضطراب في المضيق يهدد سلاسل الإمداد ويؤثر على مكانة الدولة كمحور للتجارة الدولية.
ورغم استثماراتها في بدائل مثل خطوط الأنابيب، فإن هذه الحلول تظل جزئية، ولا يمكنها تعويض الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، ما يجعل إعادة تأمينه أولوية لا تحتمل التأجيل.
تحالف دولي وتحديات قانونية
التحرك الإماراتي يأتي ضمن إطار دولي أوسع، حيث أبدت عدة دول، بينها قوى أوروبية وآسيوية، استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة. كما تشهد أروقة مجلس الأمن الدولي نقاشات حول منح غطاء قانوني لأي تحالف محتمل.
لكن هذا المسار يواجه عقبات، أبرزها احتمال استخدام حق النقض من قبل قوى كبرى، ما قد يدفع الدول المعنية إلى تشكيل تحالف خارج إطار الأمم المتحدة، وهو سيناريو يحمل أبعاداً سياسية وقانونية معقدة.
تباين خليجي ومخاطر التصعيد
رغم هذا الحراك، لا يوجد إجماع خليجي كامل بشأن الانخراط العسكري، حيث تفضّل بعض الدول الحلول الدبلوماسية أو الحفاظ على توازن علاقاتها مع طهران. هذا التباين يمنح الإمارات دوراً أكبر، لكنه يحمّلها أيضاً مخاطر إضافية.
في المقابل، تلوّح إيران بردود تصعيدية، تشمل استهداف منشآت الطاقة، ما يضع المنطقة أمام معادلة دقيقة بين حماية المصالح الحيوية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
بين الحسم والحذر
تبدو الإمارات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى اتخاذ قرار بالانضمام لتحالف بحري دولي لتأمين مضيق هرمز. غير أن هذا القرار، رغم وضوح دوافعه، يظل محكوماً بحسابات دقيقة تتعلق بتوازن القوى، وتداعيات التصعيد، وإمكانية احتواء الأزمة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بحماية ممر مائي، بل بإدارة لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح الأمن الإقليمي، وتحدد شكل التوازنات الدولية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

الإمارات تندد بهجمات إيران وتؤكد حقها الكامل في الدفاع عن سيادتها

إيران تصف الهجوم الأمريكي والإسرائيلي بأنها حرب غير مشروعة