سعيد منور: مجلس النواب يمارس رقابة كاملة على أداء الحكومة في ملف الأسعار
هاني حليم: الدولة أمام معادلة صعبة بين دعم المواطن وضغوط الاقتصاد
ياسر قورة: من يتلاعب بقوت المواطنين يجب أن يواجه محاكمات عاجلة
د.كريم عادل: زيادة الحد الأدنى للأجور قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار
بينما تتابع شاشات التلفزيون بقلق أخبار الضربات الجوية والاشتباكات في الخليج، يتابع المواطن المصري في شوارع القاهرة والأقاليم "ضربات" من نوع آخر تصيب قوته اليومي ومستقبل أبنائه.
ففي مارس 2026، لم تتوقف شظايا الانفجارات عند حدود الميدان، بل امتدت لتعصف بالأسواق المصرية؛ حيث قفز معدل التضخم السنوي إلى 13.4% نتيجة الارتفاع الجنوني في تكاليف الطاقة، وسجل الجنيه المصري تراجعاً بنحو 10.67% أمام الدولار مع تصاعد حدة الحرب.
ورغم بُعد المسافات الجغرافية، إلا أن شلل مضيق هرمز —الذي يمر عبره 20% من النفط والغاز العالمي— وضع الاقتصاد المصري في مواجهة "صدمة نفطية ثالثة"؛ إذ ارتفعت أسعار النفط عالمياً لتتجاوز حاجز 84 دولاراً للبرميل، بفارق 7 دولارات كاملة عن السعر المقدر في الموازنة العامة.
صدمة نفطية تضرب الأسواق المصرية
هذا الارتباك لم يتوقف عند حدود أرقام الحكومة، بل ترجمته الأسواق فوراً إلى قفزات في أسعار السلع الأساسية، وزيادة في تكاليف شحن البضائع بنسبة وصلت إلى 100% في بعض القطاعات، وصولاً إلى ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 20% وتأثر قطاع الصناعات الدوائية التي تعتمد على خامات مستوردة.
يمكنك قراة هذا أيضًا: وزير النقل يكشف زيادة تذاكر القطارات وأسبابها الحقيقية
التضخم والشحن.. ضغوط متعددة على الأسعار
في هذا التحقيق، نقتحم كواليس الأسواق لنكشف بالأرقام والشهادات كيف تحولت التوترات الإقليمية إلى "واقع سعري جديد" يهدد بخفض نمو الاقتصاد المصري إلى 4.5%، ونبحث في السؤال الذي يؤرق الجميع: هل نحن أمام موجة غلاء عابرة أم أن "فواتير الحرب" ستظل محفورة في جيوب المصريين للأبد؟
البرلمان يتحرك لاحتواء الأزمة
وفي هذا السياق، أكد النائب سعيد منور لحوتي، أمين سر لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، أن المجلس يمارس دوره الرقابي الكامل على أداء الحكومة فيما يتعلق بملف الأسعار والحماية الاجتماعية، في ظل التحديات الاقتصادية المرتبطة بالأوضاع الجيوسياسية الحالية، مشيرًا إلى أن رئيس مجلس الوزراء سيعرض قريبًا خطة الحكومة للتعامل مع تداعيات الأزمة، بما يضمن تخفيف الأعباء عن المواطنين.
وأوضح لحوتي أن مجلس النواب لا يكتفي بالدور الرقابي التقليدي، بل يعمل بالتوازي على دعم مبادرات تستهدف تخفيف الضغط المعيشي، من خلال متابعة الحزم الاجتماعية الجديدة التي تعكف الدولة على إعدادها، والتي من المقرر الإعلان عنها مع بداية الشهر المقبل، مؤكدًا أن هذه الحزم تأتي استجابة مباشرة للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وأضاف أمين سر لجنة الشئون الاقتصادية، لـ"خمسة سياسة"، أن المجلس يفعّل أدواته الرقابية بشكل يومي، عبر طلبات الإحاطة الموجهة للوزراء، لضمان متابعة أداء الحكومة والتأكد من انعكاس الإجراءات المتخذة على حياة المواطنين، لافتًا إلى أن البرلمان يمثل صوت الشارع ويحرص على نقل شكاوى المواطنين والعمل على حلها بشكل سريع وفعال.
وأشار إلى أن الحزمة الاجتماعية الحالية تختلف بطبيعتها عن نظيراتها في أوقات الاستقرار، حيث تستهدف بشكل أساسي مواجهة تداعيات الأزمة العالمية والحرب القائمة، من خلال توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وضبط الأسواق، موضحًا أن الدولة تتحرك لتأمين احتياجات المواطنين خاصة في السلع الغذائية، مع اتخاذ إجراءات للحد من تقلبات الأسعار.
وفيما يتعلق بمدى استمرار الحماية الاجتماعية، أوضح أن الدولة تتعامل مع الأزمة وفق تطوراتها، فإذا استمرت الحرب، سيتم تطوير الإجراءات بشكل تدريجي لمواجهة التحديات، أما في حال انتهاء الأزمة، فمن المتوقع أن تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية تدريجيًا.
معادلة صعبة بين الدعم والاستقرار
ومن جانبه، قال النائب هاني حليم، عضو اللجنة الاقتصادية والمالية والاستثمار بمجلس الشيوخ، إن موجة ارتفاع الأسعار الحالية تمثل تحديًا عالميًا معقدًا فرضته تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وما ترتب عليها من ارتفاع في أسعار الوقود واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف المعيشة في مختلف الدول، وليس في مصر فقط.
أخبار قد تهمك أيضًا: النائب هاني حليم لـ"خمسة سياسة": العمل عن بعد لا يوفر الطاقة ويضعف الإنتاجية في مصر
وأوضح حليم، لـ"خمسة سياسة"، أن الدولة تقف حاليًا أمام معادلة صعبة بين تخفيف الأعباء عن المواطنين، في ظل معاناتهم من الغلاء، وبين التعامل مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الظروف الخارجية، مؤكدًا أن هذه المرحلة تتطلب قدرًا كبيرًا من التكاتف بين الحكومة والمواطنين لعبور الأزمة بأقل خسائر ممكنة.
وأضاف أن مجلس الشيوخ يعمل خلال الفترة الحالية على دراسة الأوضاع بشكل متكامل، تمهيدًا لطرح مجموعة من المقترحات والآليات الرقابية التي تستهدف الحد من تداعيات الأزمة، مشيرًا إلى أن المجلس سيبدأ في عرض هذه الرؤى على الحكومة خلال الأيام المقبلة، خاصة بعد انتهاء فترة الإجازات الأخيرة.
دعوات لزيادة المعروض بدل العقوبات
وأكد النائب أن التعامل مع أزمة ارتفاع الأسعار لا يجب أن يعتمد على الحلول العقابية أو ما وصفه بـ"النهج البوليسي"، موضحًا أن التجارب أثبتت أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في زيادة المعروض من السلع الأساسية داخل الأسواق، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب ويسهم في خفض الأسعار بشكل طبيعي.
وشدد على ضرورة تركيز الدولة على توفير السلع الاستراتيجية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل السلع الغذائية الأساسية والوقود، لافتًا إلى أن ضخ هذه المنتجات بكميات كافية يمثل أداة رئيسية لضبط الأسواق والحد من الممارسات الاحتكارية.
ونوه حليم إلى أهمية تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع تخزين السلع أو تعطيش السوق بهدف رفع الأسعار، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة ترشيد الاستهلاك من جانب المواطنين، وعدم الانسياق وراء الشراء المفرط بدافع الخوف، لما لذلك من آثار سلبية تزيد من حدة الأزمة.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار بعض السلع مثل الطماطم، أوضح أن هذه الزيادات قد تكون مؤقتة وترتبط بعوامل موسمية وإنتاجية، ولا تعكس بالضرورة الاتجاه العام للأسعار، مشيرًا إلى أن التغيرات المناخية واختلاف مواسم الزراعة تؤثر بشكل مباشر على حجم المعروض من بعض المحاصيل.
وأشار إلى أن الحل في مثل هذه الحالات يكمن في تدخل الدولة عبر ضخ كميات إضافية من خلال منافذها المختلفة، سواء التابعة للجهات الحكومية أو المؤسسات الوطنية، بما يساهم في كسر حدة الارتفاعات السعرية، لافتًا إلى أن توفير المنتج بسعر أقل— حتى ولو جزئيًا—يساعد في إعادة التوازن للأسواق.
واختتم النائب هاني حليم تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات مرنة ومتوازنة، تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد، بما يضمن حماية الفئات الأكثر تأثرًا، والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي دون الإضرار بمصادر دخل المواطنين.
رقابة مشددة لمواجهة جشع الأسواق
وبدوره، أكد النائب ياسر قورة أن المرحلة الحالية تتطلب تشديدًا غير مسبوق في الرقابة على الأسواق، في ظل تداعيات الأزمة الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، مشددًا على أن حماية المواطنين من الاستغلال تمثل أولوية قصوى للدولة ومؤسساتها.
وأوضح قورة، لـ"خمسة سياسة"، أن الدور الرقابي في الأساس يقع على عاتق مجلس النواب، إلا أن البرلمان بمجلسيه معنيّ بالشأن العام، ما يفرض ضرورة التنسيق مع الحكومة لضبط الأسواق ومواجهة أي ممارسات احتكارية. وأضاف أن تحريك أسعار المحروقات نتيجة ارتفاع سعر البترول عالميًا إلى مستويات تقترب من 120 دولارًا للبرميل، كان له تأثير مباشر على الأسعار، وهو ما استغله بعض التجار لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات صارمة، قائلًا إن من يتلاعب بقوت المواطنين في مثل هذه الظروف يجب أن يواجه محاكمات عاجلة، معتبرًا أن ما يحدث يمثل حالة استثنائية تستدعي الردع الفوري لكل من يحاول استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، أكد قورة أن الحكومة تعمل على إعداد حزمة متكاملة تشمل رفع الأجور وزيادة الدعم لبعض السلع، بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين خلال الفترة المقبلة، لافتًا إلى أن توسيع شبكة الحماية الاجتماعية أصبح ضرورة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية، خاصة مع اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وأضاف أن التعامل مع الأزمة يتم وفق تطوراتها، مشيرًا إلى أن كل مرحلة لها أدواتها وقراراتها، معربًا عن أمله في ألا تطول الأزمة، نظرًا لتأثيراتها المباشرة على المواطنين والاقتصاد العالمي.
وشدد قورة على أن انخفاض الأسعار العالمية، خاصة أسعار البترول، يجب أن ينعكس بشكل مباشر على السوق المحلية، مؤكدًا أن من حق المواطن الذي تحمّل أعباء الزيادة أن يستفيد من أي انخفاض لاحق. وأكد أن الحكومة مطالبة بتنفيذ حملات رقابية مكثفة لضمان تراجع الأسعار حال تراجع التكلفة، مشددًا على أن البرلمان لن يقبل باستمرار الأسعار المرتفعة في حال زوال أسبابها.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن تحقيق التوازن بين حماية المواطن واستقرار الأسواق يتطلب تعاونًا كاملًا بين الحكومة والأجهزة الرقابية، مع تطبيق القانون بحزم على المخالفين.
رفع الأجور.. هل يتحول إلى ضغط جديد على الأسعار؟
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن إعلان الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور يأتي في توقيت يشهد اضطرابات اقتصادية محلية وعالمية، موضحًا أنه رغم كونه مطلبًا مشروعًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة بعد زيادة أسعار المحروقات، إلا أنه قد يفرض أعباءً إضافية على القطاع الخاص وينعكس على أسعار السلع والخدمات.
وأوضح عادل أن إلزام الشركات بزيادة الأجور، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والضرائب، قد يدفع بعض المؤسسات إلى تقليل العمالة أو تسريح جزء منها، ما يهدد بارتفاع معدلات البطالة في بعض القطاعات.
وأشار إلى أن تزامن زيادة الأجور مع ارتفاع سعر الدولار والمحروقات يزيد الضغط على السوق، وقد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار قد تصل في بعض القطاعات إلى نحو 40%، بما يقلل من الأثر الإيجابي المتوقع للزيادة ويزيد معدلات التضخم.
وأضاف أن الزيادة المتوقعة بنحو 20% من الحد الأدنى الحالي لن تكون كافية لتعويض المواطنين عن ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، مؤكدًا أن تحديدها يجب أن يعتمد على معدلات التضخم، ومستوى الإنتاجية، وقدرة القطاع الخاص، والأوضاع المالية للموازنة العامة، وتطورات سعر الصرف.
وشدد على أن قرار زيادة الأجور يجب أن يأتي ضمن حزمة اقتصادية متكاملة توازن بين تحسين مستوى المعيشة واستقرار الاقتصاد، مع ضرورة مراعاة الفئات غير المشمولة مثل العاملين خارج القطاعين الحكومي والخاص والعاطلين، باعتبارهم الأكثر تضررًا دون استفادة مباشرة.
وأكد أهمية تشديد الرقابة على الأسواق ومواجهة الاحتكار من خلال قوانين صارمة تضمن ضبط الأسعار ومنع الممارسات غير المبررة، إلى جانب التفرقة بين التجار الملتزمين والمستغلين.
كما دعا إلى تبني سياسات نقدية ومالية مرنة للحد من تقلبات أسعار العملات الأجنبية وتقليل الاعتماد على الأموال الساخنة، بما يساهم في استقرار أسعار السلع خاصة المستوردة.
وأشار إلى ضرورة تحمل الدولة جزءًا من تكلفة السلع الأساسية والوقود لتخفيف الأعباء عن المواطنين، بالتوازي مع تحسين الحماية الاجتماعية، ومراجعة وترشيد الإنفاق الحكومي لتقليل عجز الموازنة.
واختتم عادل بالتأكيد على أهمية تطوير التشريعات وتعزيز الحوكمة، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للأزمات، مع تفعيل أدوات رقابية مثل "رادار الأسعار" وتكثيف الحملات التفتيشية لضبط الأسواق ومنع الاحتكار.
الميدان يتحدث: فجوة الثقة بين التاجر والمستهلك
ويكشف أحد كبار تجار المواد الغذائية بالجملة —الذي فضّل عدم ذكر اسمه لتعقيدات السوق— عن كواليس "دوامة الأسعار"، لـ"خمسة سياسة"، قائلاً:
"لسنا مستفيدين من هذا الغلاء بل نحن أول ضحاياه؛ فنحن لا نرفع الأسعار رغبةً في الربح، بل نجد أنفسنا مجبرين أمام موجات الموردين التي تضربنا كل 48 ساعة بحجة توترات مضيق هرمز وقفزة تكاليف الشحن البحري بنسبة 100%. المواطن يرى فينا وجهاً للجشع، لكن الحقيقة المرة أنني أبيع السلعة اليوم بسعر، ولا أستطيع توفير بديل لها غداً بنفس القيمة، مما يهدد بتآكل رأس مالنا تماماً".
وفي جولة ميدانية بأحد الأسواق الشعبية، تُلخص مواطنة مصرية —رفضت الكشف عن هويتها— حجم الفجوة بين الدخل والواقع، لـ"خمسة سياسة"، قائلة:
"كنا نظن أن غلاء أيام كورونا وحرب أوكرانيا كان الكابوس الأسوأ، لكن ما نعيشه اليوم مع اشتعال الجبهات من غزة إلى إيران فاق كل التوقعات والقدرات. الميزانية التي كانت بالكاد تُدبر احتياجاتنا لشهر كامل، باتت اليوم تعجز عن الصمود لأكثر من عشرة أيام؛ لقد تحول تدبير لقمة العيش إلى معركة يومية خاسرة".
وبينما تظل الحلول الحكومية قيد الدراسة، يبقى المواطن وحده في مواجهة "فاتورة حرب" لا يعرف متى تنتهي، ولا إن كانت ستتوقف عند حدود الأسعار… أم تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك.
