أكد الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن العلاقات المصرية الليبية تمثل نموذجًا فريدًا للعلاقات العربية القائمة على التعاون المستمر والتلاحم المشترك، باعتبارها علاقات تاريخية ممتدة عبر عقود طويلة، رسختها وحدة المصير وتشابه التحديات وتشابك المصالح الاستراتيجية، إلى جانب الروابط الاجتماعية والإنسانية التي جمعت الشعبين المصري والليبي على مدار سنوات طويلة، بما جعل تلك العلاقات واحدة من أبرز صور التآخي العربي الحقيقي في المنطقة.

علاقات مصر وطرابلس

وأوضح “عادل” في تصريح خاص لموقع “خمسة سياسة”، أن العلاقات بين القاهرة وطرابلس لم تكن يومًا علاقات شكلية أو مرتبطة بمصالح مؤقتة، بل هي علاقات متجذرة قامت على التعاون المشترك في مختلف المجالات، سواء الاقتصادية والتجارية، أو الأمنية والعسكرية، أو التعليمية والثقافية والصحية، فضلًا عن التعاون في ملفات متعددة ساهمت في تعزيز المصالح المشتركة ودعم الاستقرار الإقليمي، مؤكدًا أن هذا الامتداد التاريخي يعكس حجم الترابط السياسي والاستراتيجي بين البلدين، ويُظهر مدى تقارب الرؤى تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية.

وأشار رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن الموقف المصري كان ولا يزال داعمًا لاستقرار الدولة الليبية والحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها وحدودها، وصون مقدرات الشعب الليبي وموارده الوطنية، لافتًا إلى أن مصر تبنت موقفًا سياسيًا وأمنيًا واضحًا يقوم على رفض التدخلات الخارجية التي سعت إلى فرض النفوذ أو الاستحواذ على الثروات الليبية، أو تحويل ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بما يهدد الأمن القومي العربي بشكل عام، والأمن القومي المصري بشكل خاص.

وفي سياق متصل، أوضح الدكتور كريم عادل أن توجه مصر نحو استيراد النفط والغاز من غرب ليبيا يمثل خطوة استراتيجية مهمة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية وتقلب أسعار النفط وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تستهدف بالأساس تعويض النقص الذي طرأ على بعض مصادر الإمداد، وتأمين احتياجات السوق المحلي من الطاقة، خاصة بعد توقف أو تراجع بعض الإمدادات الإقليمية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما دفع الدولة المصرية إلى البحث عن بدائل سريعة وآمنة وقريبة جغرافيًا لتفادي أي تأثيرات مباشرة على تشغيل محطات الكهرباء ودعم استقرار منظومة الطاقة.

القرب الجغرافي

وأضاف “عادل” أن القرب الجغرافي بين مصر وليبيا يمثل عاملًا رئيسيًا يمنح هذا المسار أهمية إضافية، حيث يساهم في تقليل تكاليف النقل والتأمين مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة، في وقت تشهد فيه بعض الخطوط الملاحية اضطرابات وتهديدات قد تؤدي إلى تعطيل الإمدادات أو رفع تكلفتها بشكل كبير، فضلًا عن أن الخام الليبي يتميز بجودة مرتفعة، وهو ما يفتح الباب أمام فرص مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي في قطاع الطاقة بما يحقق مصالح متبادلة للبلدين.

وأكد رئيس مركز العدل أن استيراد مصر للنفط والغاز من غرب ليبيا قد يمثل تعويضًا سريعًا وموثوقًا في حال توقف أو نقص الإمدادات من مصادر أخرى، بما يضمن استمرار تشغيل محطات الكهرباء ودعم استقرار عجلة الإنتاج والتشغيل، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة، ويساعد على تقليل الضغوط التي قد تفرضها أي أزمة طاقة، خاصة القرارات التي قد تؤثر على حياة المواطنين مثل رفع أسعار المحروقات أو الإغلاق المبكر للأنشطة التجارية.

وفي الوقت نفسه، شدد الدكتور كريم عادل على أن هذه الخطوة رغم أهميتها وإيجابياتها لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حلًا دائمًا أو مصدرًا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل، موضحًا أن أبرز التحديات تتمثل في استمرار الاضطرابات السياسية والأمنية داخل ليبيا، بما يهدد استدامة الإمدادات، خاصة مع احتمالات استهداف المنشآت النفطية أو تعطل عمليات الإنتاج والتصدير، الأمر الذي يجعل الاعتماد على نفط غرب ليبيا محفوفًا بالمخاطر في ظل بيئة غير مستقرة، ما يستوجب التعامل مع هذا المسار كحل داعم ضمن منظومة تنويع مصادر الطاقة، وليس كبديل وحيد.