تواجه صناعة السكر المصرية تحديات غير مسبوقة رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها الدولة خلال السنوات الأخيرة في زيادة الإنتاج المحلي والتوسع في زراعة بنجر السكر وتطوير المصانع. فبعد أن اقتربت مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة بلغت نحو 82.5%، وجدت الشركات المنتجة نفسها أمام أزمة حادة تتمثل في تكدس المخزون وصعوبة تصريف الإنتاج، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب الأزمة والجهات المستفيدة من استمرار استيراد السكر رغم وفرة المنتج المحلي.
وتشير بيانات القطاع إلى أن إنتاج مصر من السكر وصل إلى نحو 3.18 مليون طن، وهو من أعلى معدلات الإنتاج في تاريخ البلاد، مدعوماً بارتفاع إنتاجية الفدان من البنجر من نحو 30 طناً إلى 50 طناً في بعض المناطق، فضلاً عن التوسع في إنشاء وتطوير المصانع. إلا أن هذا النجاح لم ينعكس على أداء السوق، حيث امتلأت المخازن بكميات ضخمة من السكر، واضطرت بعض الشركات إلى تخزين الإنتاج في ساحات مفتوحة نتيجة عدم توافر مساحات تخزينية كافية.
صناعة السكر المصرية بين وفرة الإنتاج وتكدس المخزون
تشهد صناعة السكر المصرية حالة من التناقض اللافت، إذ تحولت زيادة الإنتاج التي كانت تمثل هدفاً استراتيجياً للدولة إلى تحدٍ اقتصادي أمام الشركات المنتجة. فالمصانع التي استثمرت في تطوير خطوط الإنتاج ورفع كفاءة التشغيل أصبحت تواجه صعوبة في تسويق منتجاتها، بينما تتراكم كميات كبيرة من السكر داخل المخازن.
وتضم منظومة الإنتاج المصرية 16 مصنعاً للسكر، تشمل مصانع البنجر والقصب المنتشرة في مختلف المحافظات، وعلى رأسها شركة الدلتا للسكر، إلى جانب شركات الدقهلية والنوبارية والفيوم والنوران، فضلاً عن مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية الممتدة من الحوامدية وحتى أسوان.
ويرى عدد من المتخصصين أن استمرار تكدس المخزون قد يؤدي إلى ضغوط مالية كبيرة على الشركات، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والتخزين والتمويل، وهو ما يهدد استدامة بعض المصانع ويؤثر على قدرتها على شراء المحاصيل من المزارعين خلال المواسم المقبلة.
صناعة السكر المصرية والاستيراد.. منافسة غير متكافئة
تطرح أزمة صناعة السكر المصرية تساؤلات مهمة بشأن استمرار منح تصاريح استيراد السكر في الوقت الذي تعاني فيه الشركات المحلية من صعوبة تصريف إنتاجها. ورغم وجود قرارات حكومية تهدف إلى تنظيم الاستيراد وحماية السوق المحلية، فإن بعض الاستثناءات سمحت بدخول كميات كبيرة من السكر إلى السوق.
ويؤكد خبراء أن الشركات الوطنية تتحمل أعباء متعددة تشمل شراء البنجر والقصب من المزارعين، وسداد أجور العمالة، وتكاليف الطاقة والصيانة والتمويل، بينما يقتصر دور المستورد في كثير من الأحيان على شراء المنتج من الخارج وإعادة طرحه في السوق المحلية، ما يخلق فجوة تنافسية تؤثر على قدرة المنتج الوطني على المنافسة.
كما تشير تقديرات إلى أن دخول كميات إضافية من السكر المستورد إلى السوق في ظل وجود فائض محلي يسهم في زيادة الضغوط على الشركات المنتجة، ويؤدي إلى تباطؤ حركة البيع وتراجع السيولة المالية اللازمة لاستمرار النشاط الإنتاجي.
صناعة السكر المصرية والأمن الغذائي.. مطالب بدعم المنتج الوطني
يرى مراقبون أن صناعة السكر المصرية لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي أو صناعة غذائية تقليدية، بل تعد أحد مكونات الأمن الغذائي للدولة، نظراً لارتباطها بملايين المواطنين من مزارعين وعمال وفنيين وموردين.
وخلال السنوات الماضية، لعبت الشركات الوطنية دوراً محورياً في توفير السكر للسوق المحلية بأسعار مناسبة، وساهمت في الحد من تأثير الأزمات العالمية على الأسعار. كما تحملت أعباء إضافية لدعم المزارعين وتشجيعهم على الاستمرار في زراعة البنجر والقصب باعتبارهما محصولين استراتيجيين.
ويطالب خبراء الصناعة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم القطاع، تشمل فتح أسواق تصديرية جديدة، وتوفير تسهيلات تمويلية للمصانع، وإنشاء مخزون استراتيجي من السكر، إلى جانب إعادة النظر في سياسات الاستيراد بما يحقق التوازن بين احتياجات السوق وحماية المنتج المحلي.
وأكدوا أن العديد من الدول الكبرى تتدخل لحماية صناعاتها الاستراتيجية عند ظهور فوائض إنتاجية، من خلال دعم التصدير وتوفير الحوافز للمصانع وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية، وهو ما يتطلب تطبيق سياسات مماثلة للحفاظ على استثمارات ضخمة تم ضخها في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: كيف تحولت النجاحات التي حققتها مصر في زيادة إنتاج السكر إلى أزمة تسويق خانقة؟ وهل تشهد الفترة المقبلة تحركات لدعم المصانع الوطنية وضمان استمرار واحدة من أهم الصناعات الغذائية الاستراتيجية في البلاد؟
نوصي بقراءة: صناعة السكر في مصر تواجه أزمة تاريخية.. مطالب عاجلة لإنقاذ 16 مصنعًا و700 ألف مزارع من الانهيار
نوصي بقراءة: من خدمة الناس إلى بناء الوطن.. حكاية التطوع وأثره الحقيقي
