دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، في أخطر تطور تشهده المنطقة منذ انهيار التهدئة التي أعقبت وقف إطلاق النار بين الجانبين في أبريل الماضي، وسط تبادل للضربات العسكرية، وتهديدات متصاعدة للملاحة الدولية في مضيق هرمز، واتساع رقعة الاشتباكات لتشمل البحرين والأردن والمياه الإقليمية العمانية.
ويعكس المشهد الحالي تحولًا لافتًا في طبيعة الصراع، إذ انتقلت المواجهة من الضربات المحدودة إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق، بالتزامن مع إجراءات أمريكية تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني، مقابل ردود إيرانية تستهدف المصالح والقواعد الأمريكية وحركة الملاحة في الخليج.
واشنطن تعيد فرض الحصار البحري على إيران
أعلنت البحرية الأمريكية إعادة فرض الحصار البحري الكامل على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بعد أن كانت قد رفعته في 18 يونيو الماضي بموجب مذكرة تفاهم بين الجانبين.
وأكدت أن الحصار يشمل جميع الموانئ الإيرانية ومحطات تصدير النفط والمنشآت الساحلية، مع السماح للسفن المحايدة بالعبور عبر مضيق هرمز شريطة ألا تكون وجهتها إيران، كما سمحت بمرور شحنات المساعدات الإنسانية بعد إخضاعها للتفتيش.
ويهدف القرار، بحسب واشنطن، إلى تشديد الضغوط على طهران وتقليص قدرتها على استخدام الموانئ الإيرانية في دعم أنشطتها العسكرية والاقتصادية.
ضربات أمريكية واسعة تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية
بالتزامن مع إعادة الحصار، شنت القيادة المركزية الأمريكية موجة جديدة من الضربات الجوية والبحرية وصفت بأنها من الأعنف منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، مستخدمة للمرة الأولى زوارق ومسيرات انتحارية ضمن عملياتها العسكرية.
وتركزت الضربات على تدمير منظومات الدفاع الجوي والرادارات والقدرات الصاروخية والزوارق العسكرية الإيرانية، بهدف الحد من قدرة طهران على تهديد الملاحة الدولية في الخليج.
ووفق القيادة المركزية الأمريكية، امتدت العمليات العسكرية على مدار خمس ساعات، واستهدفت مواقع عسكرية في بوشهر وتشابهار وجاسك وكونارك وجزيرة أبو موسى وبندر عباس.
وفي الوقت نفسه، أعلن التلفزيون الإيراني سماع خمسة انفجارات غرب مدينة بندر عباس بمحافظة هرمزغان، بينما أفادت وكالة "فارس" الإيرانية بمقتل ثلاثة مدنيين جراء إحدى الضربات الأمريكية.
وأكدت واشنطن أن مضيق هرمز يمثل ممراً دولياً حيوياً للتجارة العالمية، مشددة على أن إيران لا تملك السيادة على المضيق ولا يحق لها تعطيل حركة الملاحة فيه.
رد إيراني يستهدف البحرين والأردن
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت مقر الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين.
وأعلنت البحرين أن منظومات الدفاع الجوي نجحت في اعتراض وتدمير عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مؤكدة أن الهجمات استهدفت مناطق مدنية، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
كما أعلن الجيش الإيراني استهداف سفينة وأهداف أمريكية في المنطقة، إلى جانب تنفيذ ضربات باتجاه الأراضي الأردنية، متوعداً بمزيد من العمليات العسكرية خلال الفترة المقبلة.
ومن جانبه، أعلن الجيش الأردني اعتراض وإسقاط أربعة صواريخ أطلقت من إيران، مؤكداً عدم تسجيل أي خسائر بشرية أو أضرار مادية.
ترامب يفرض رسوماً على عبور مضيق هرمز
وعلى الصعيد الاقتصادي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم بنسبة 20% على البضائع المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز، في خطوة غير مسبوقة قال إنها تهدف إلى تغطية تكاليف تأمين الممر الملاحي.
وأوضح ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى حماية المضيق تحت مسمى "حراس مضيق هرمز"، مؤكداً أن السفن التابعة للدول غير الإيرانية ستواصل العبور بحرية مقابل سداد الرسوم الجديدة.
كما توعد الرئيس الأمريكي بمواصلة الضربات العسكرية ضد إيران حتى إنهاء ما وصفه بتهديد الملاحة الدولية، مشيراً إلى أن موقع "جبل الفأس" الإيراني يمثل هدفاً عسكرياً محتملاً، في ظل متابعة أمريكية دقيقة للمنشآت النووية والأنشطة العسكرية الإيرانية.
وفي السياق ذاته، أخطر ترامب الكونجرس باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران اعتباراً من 10 يوليو الجاري.
طهران تتمسك بموقفها وتلوح بمزيد من التصعيد
على الجانب الإيراني، أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن القوات المسلحة لن تتراجع عن موقفها بشأن مضيق هرمز، معتبراً أن إعادة فتحه لن تتم عبر "الحرب أو الاعتداءات الأمريكية"، وإنما من خلال احترام حقوق الشعب الإيراني.
وشدد على أن بلاده "ملزمة بالثأر لدماء شهدائها، وعلى رأسهم المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي"، في إشارة إلى استمرار نهج التصعيد العسكري.
وفي الوقت نفسه، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران تجري اتصالات مع وسطاء من قطر وسلطنة عمان وباكستان، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
كما أدانت الخارجية الإيرانية القرار البريطاني بتصنيف الحرس الثوري تهديداً بموجب قانون الأمن القومي البريطاني، معتبرة الخطوة غير مبررة وتتعارض مع قواعد القانون الدولي.
هجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز
وتواصلت تداعيات الأزمة على حركة الملاحة الدولية، إذ أعلنت هيئة التجارة البحرية البريطانية تعرض ناقلة نفط لهجوم صاروخي أثناء عبورها المسار الجنوبي لمضيق هرمز، على بعد 13 ميلاً بحرياً شرق مدينة ليما العمانية.
كما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية تعرض الناقلتين الوطنيتين "ممباسا" و"الباهية" لهجوم بصاروخين إيرانيين داخل المياه الإقليمية العمانية، ما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم وإصابة ثمانية آخرين، بينهم أربعة في حالة خطرة.
وأدانت الإمارات الهجوم، معتبرة أنه يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ويهدد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، مؤكدة احتفاظها بحق الرد واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها.
كما طالبت وزارة الخارجية الإماراتية إيران بوقف هجماتها وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة وغير مشروطة، مؤكدة أن استهداف السفن التجارية واستخدام المضيق كورقة ضغط سياسي أو اقتصادي يعد عملاً من أعمال القرصنة البحرية.
سلطنة عمان تتحرك لاحتواء الأزمة
وفي خضم التصعيد، كثفت سلطنة عمان جهودها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، إذ أعلن وزير الخارجية بدر البوسعيدي أن بلاده تجري مشاورات مكثفة مع إيران وعدد من الأطراف الدولية للتوصل إلى ترتيبات طويلة الأمد تكفل حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وأشار إلى أن المناقشات الجارية تتسم بدرجة عالية من التعقيد، لكنها تستهدف الوصول إلى صيغة تضمن أمن الممر البحري الحيوي وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، مؤكداً في الوقت ذاته ضرورة إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة بما يتناسب مع المتغيرات الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب.
أزمة مفتوحة على جميع الاحتمالات
تكشف التطورات المتلاحقة أن الأزمة تجاوزت حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران، لتتحول إلى صراع إقليمي يهدد أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وبينما تواصل الولايات المتحدة تشديد الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، تصر طهران على الرد وتوسيع دائرة المواجهة، في وقت تتسابق فيه التحركات الدبلوماسية لاحتواء الموقف ومنع اندلاع حرب شاملة قد تكون تداعياتها الأوسع على المنطقة والعالم.
بعد انهيار الهدوء الهش.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة بي...
العلاقات المصرية الإماراتية.. شراكة استراتيجية راسخة تعزز الا...
