لم تكن ثورة 23 يوليو 1952 مجرد حدث سياسي أنهى حقبة تاريخية وفتح صفحة جديدة في مسيرة الدولة المصرية، بل مثلت نقطة انطلاق لمشروع وطني شامل استهدف إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر عدالة واستقلالًا. ومنذ الأيام الأولى للثورة، احتلت الزراعة والصناعة مكانة محورية في رؤية الدولة، باعتبارهما ركيزتين لتحقيق التنمية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وعلى مدار أكثر من سبعة عقود، ظل تأثير تلك السياسات حاضرًا، سواء في المشروعات التي نُفذت خلال السنوات الأولى بعد الثورة، أو في الخطط التنموية التي تبنتها الدولة المصرية في المراحل اللاحقة، وصولًا إلى مشروعات الجمهورية الجديدة.
ثوره يوليو والإصلاح الزراعي.. بداية التحول في الريف المصري
كان القطاع الزراعي أولى ساحات التغيير بعد الثورة، ففي سبتمبر 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي وضع حدًا أقصى لملكية الأراضي الزراعية، وأعاد توزيع مساحات واسعة على صغار الفلاحين، في خطوة استهدفت تحقيق العدالة الاجتماعية وإنهاء احتكار الأراضي.
ولم يقتصر الأمر على توزيع الأراضي، بل تبنت الدولة برنامجًا متكاملًا لدعم الفلاح، شمل إنشاء الجمعيات التعاونية الزراعية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتقديم القروض الميسرة، والتوسع في الإرشاد الزراعي، فضلًا عن تحسين أوضاع الريف من خلال التوسع في الخدمات الأساسية.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه السياسات أسهمت في تكوين طبقة جديدة من صغار الملاك، وعززت الاستقرار الاجتماعي في الريف، ورفعت من معدلات الإنتاج الزراعي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الثورة.
السد العالي.. مشروع غيّر معادلة التنمية
يظل السد العالي أحد أبرز الإنجازات المرتبطة بمشروع يوليو، إذ لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل مثل تحولًا استراتيجيًا في إدارة الموارد المائية والطاقة.
فقد وفر السد حماية للأراضي الزراعية من أخطار الفيضانات والجفاف، وساعد على تنظيم الري طوال العام، كما أتاح استصلاح مساحات جديدة من الأراضي، إلى جانب إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشغيل المصانع ودعم خطط التنمية.
ويرى متخصصون أن السد العالي كان أحد أهم العوامل التي ساعدت الدولة على تنفيذ خططها الزراعية والصناعية خلال ستينيات القرن الماضي.
التصنيع الوطني.. بناء قاعدة اقتصادية قوية
بالتوازي مع تطوير الزراعة، اتجهت الدولة إلى بناء قاعدة صناعية وطنية، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق دون صناعة قوية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات.
وخلال سنوات الثورة، شهدت مصر إنشاء العديد من المصانع الكبرى في مجالات الحديد والصلب، والألومنيوم، والغزل والنسيج، والأسمدة، والصناعات الكيماوية والهندسية والغذائية، إلى جانب التوسع في إنشاء المناطق والمجمعات الصناعية.
كما لعبت شركات القطاع العام دورًا رئيسيًا في قيادة عملية التصنيع، وأسهمت في توفير مئات الآلاف من فرص العمل، وإعداد كوادر فنية وهندسية شاركت في تنفيذ المشروعات القومية.
تأميم قناة السويس.. قرار سياسي بأبعاد اقتصادية
وشكّل قرار تأميم قناة السويس عام 1956 محطة فارقة في تاريخ الاقتصاد المصري، إذ منح الدولة السيطرة على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وأصبح مصدرًا مهمًا لتمويل مشروعات التنمية.
وساهمت عائدات القناة، إلى جانب الموارد الوطنية الأخرى، في دعم خطط التصنيع والتوسع في البنية الأساسية، وهو ما عزز قدرة الدولة على تنفيذ مشروعاتها القومية.
الإنسان في قلب مشروع التنمية
لم تقتصر رؤية الثورة على إقامة المصانع واستصلاح الأراضي، بل امتدت إلى الاستثمار في العنصر البشري، من خلال التوسع في التعليم، وإنشاء المدارس الصناعية والزراعية، والمعاهد الفنية، بما وفر كوادر مؤهلة دعمت مسيرة الإنتاج والتنمية.
كما ارتبطت التنمية الاقتصادية بمجموعة من السياسات الاجتماعية التي استهدفت تحسين مستوى المعيشة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
من يوليو إلى الجمهورية الجديدة
وبمرور 74 عامًا على الثورة، تواصل الدولة المصرية تنفيذ مشروعات قومية تستهدف تعزيز الأمن الغذائي وتوطين الصناعة، من خلال استصلاح الأراضي، والتوسع في الرقعة الزراعية، وإنشاء مدن صناعية جديدة، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.
ويرى مراقبون أن اختلاف الأدوات والسياسات عبر العقود لم يغيّر من ثبات الهدف، وهو بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق التنمية المستدامة، ورفع جودة حياة المواطنين.
وتبقى ثورة 23 يوليو علامة فارقة في تاريخ التنمية المصرية، ليس فقط لما أحدثته من تحولات سياسية، وإنما لما أطلقته من مشروعات وإصلاحات أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. وبينما تتباين التقييمات بشأن بعض السياسات التي اتُبعت في مراحل مختلفة، فإن تأثير الثورة على مسار الزراعة والصناعة لا يزال حاضرًا باعتباره أحد أبرز ملامح التحول الاقتصادي في مصر الحديثة، وهو إرث تواصل الدولة البناء عليه في إطار خطط التنمية الشاملة.
