جاءت التعريفة الجديدة لأسعار الكهرباء لتضيف حلقة أخرى إلى سلسلة قرارات رفع الأسعار التي لم تتوقف منذ مطلع العام، وسط تساؤلات متجددة لدى المواطنين والبرلمانيين على حد سواء: هل تقترب الحكومة من نهاية مسار "إعادة هيكلة الدعم"، أم أن ما جرى الإعلان عنه ليس سوى محطة عابرة في طريق أطول من التعديلات المرتقبة؟ الإجابة، كما تكشفها البيانات الرسمية وتصريحات المسؤولين، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، فالمؤشرات كلها تشير إلى أن سياسة رفع الأسعار لم تصل إلى محطتها الأخيرة بعد، وإن كانت قد بدأت تأخذ شكلًا أكثر انتقائية.

تعريفة الكهرباء الجديدة: من رفع شامل إلى استهداف الشرائح العليا

اعتمد جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك تعريفة جديدة لبيع الكهرباء للاستخدامات المنزلية، تراوحت زياداتها بين 16 و31 قرشًا لكل كيلووات/ساعة مقارنة بالأسعار المطبقة منذ أبريل الماضي. ولافت في هذه التعريفة أن الحكومة أبقت على الشريحة الأولى، الأقل استهلاكًا، دون أي زيادة، فيما جاءت الزيادة الأكبر نسبيًا على شريحة الاستهلاك حتى 1000 كيلووات/ساعة، بينما سجلت شريحة كبار المستهلكين الذين يتجاوز استهلاكهم هذا الحد أقل زيادة نسبية، في مفارقة تعكس محاولة الدولة تجنب إثارة غضب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة التي تقع ضمن الشرائح الوسطى.

وبحسب البيانات الرسمية، لا تزال الدولة تتحمل ما بين 12% و75% من التكلفة الفعلية للكهرباء في الشرائح المدعومة، إذ يسدد مشترك الشريحة الأولى نحو ربع التكلفة الحقيقية فقط، بينما ترتفع نسبة مساهمة المواطن تدريجيًا مع الاستهلاك حتى تختفي كليًا لدى من يتجاوز استهلاكهم 1000 كيلووات/ساعة شهريًا، حيث يتحملون التكلفة الكاملة دون أي دعم. هذا التدرج، وفق مسؤولي منظومة تسعير الخدمات الكهربائية، لا يعني إلغاء الدعم بقدر ما يعني إعادة توزيع أعبائه، في وقت تتحمل فيه الموازنة العامة نحو 100 مليار جنيه سنويًا لسد الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها.

اللافت أن هذه ليست الزيادة الأولى خلال العام الجاري وحده؛ فمنذ مطلع 2026 مرت أسعار الكهرباء بأكثر من محطة تعديل، بدأت بزيادة اقتصرت على الشريحة السابعة فقط بنسبة قاربت 16%، قبل أن تتوسع لاحقًا لتشمل تعريفة الاستخدام التجاري بنسب وصلت إلى ما بين 20% و91% في بعض القطاعات، ثم زيادات أخرى تجاوزت 31% لقطاعات بعينها، وصولًا إلى التعديل الأخير. وهو تكرار يوحي بأن "إعادة الهيكلة" باتت عملية مستمرة تُدار على دفعات، لا قرارًا واحدًا يُغلق الملف.

لماذا لا تتوقف الزيادات؟ فاتورة الدعم وضغط الدولار والبترول

يكمن جوهر استمرار موجات رفع الأسعار في معادلة مالية صعبة تواجهها الحكومة: فاتورة دعم الطاقة، بحسب تقديرات رسمية، تتجه لتبلغ نحو 120 مليار جنيه خلال العام المالي 2026-2027، أي ما يعادل نحو 2.3 مليار دولار، في ظل ضغوط ارتفاع فاتورة الاستيراد المرتبطة بتوترات إقليمية أثّرت على أسعار الطاقة العالمية. وتزداد المعادلة تعقيدًا مع فارق كبير بين الأسعار المفترضة في الموازنة والأسعار الفعلية في الأسواق العالمية؛ إذ قدّرت الحكومة متوسط سعر خام برنت في موازنة 2026-2027 عند 75 دولارًا للبرميل، بينما ظلت الأسعار العالمية تدور قرب 88 دولارًا، بفارق يقترب من 20% تتحمله الدولة حاليًا في صورة دعم إضافي غير مخطط له.

ويضاف إلى ذلك ضغط سعر الصرف؛ فبينما اعتمدت الموازنة العامة سعرًا استرشاديًا للدولار عند 47 جنيهًا، واعتمدت الهيئة المصرية العامة للبترول سعر 49 جنيهًا ضمن افتراضاتها التحوطية، تجاوز سعر الدولار فعليًا حاجز 51 جنيهًا في البنوك، وهو ما يعني أن كل واردات الوقود والغاز تُشترى بكلفة أعلى من المفترض في الحسابات الرسمية، ويحوّل هذا الفارق تلقائيًا إلى عبء إضافي على الموازنة العامة ما لم تُمرَّر الزيادة إلى المستهلك.

الوقود: عودة لجنة التسعير التلقائي ومطالب برلمانية بالخفض

على صعيد موازٍ، أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي مطلع يوليو الجاري عودة عمل لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية اعتبارًا من الربع الأول من العام المالي 2026-2027، بهدف ربط أسعار الوقود المحلية بشكل مباشر بمتغيرات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة الدولية. وهذا القرار وحده يعني عمليًا أن أسعار الوقود لم تعد ثابتة بقرار سياسي منفرد، بل باتت مرتبطة بآلية دورية قابلة للتحريك صعودًا أو هبوطًا كل فترة، وهو ما يبقي الباب مفتوحًا أمام زيادات جديدة كلما ارتفعت أسعار البترول عالميًا أو تراجع الجنيه أمام الدولار.

في المقابل، برزت أصوات برلمانية تطالب الحكومة بالتراجع عن بعض الزيادات، ومنها مطالبة أحد أعضاء مجلس النواب بخفض سعر البنزين نحو ثلاثة جنيهات للتر، على اعتبار أن الظروف الاستثنائية التي استُند إليها في رفع الأسعار خلال ذروة التوترات العسكرية بمنطقة الخليج لم تعد قائمة بالقوة ذاتها بعدما تراجعت أسعار النفط العالمية جزئيًا عن ذرواتها. غير أن الحكومة، وفق مصادر مطلعة، تبدو أكثر حرصًا على استثمار أي هامش تراجع في أسعار الطاقة العالمية لتخفيف عبء الدعم الإضافي الذي تتحمله أصلًا، بدلًا من تمرير هذا التراجع مباشرة إلى المستهلك عبر خفض الأسعار المحلية.

هل هذه نهاية المسار أم مجرد محطة؟

كل المعطيات المتاحة تشير إلى أن سياسة رفع الأسعار أبعد ما تكون عن نهايتها، وإن كانت قد تغيّرت أدواتها. فبدلًا من الزيادات الشاملة التي كانت تطال كل الشرائح والفئات دفعة واحدة، تتجه الحكومة إلى نمط أكثر انتقائية: تثبيت الشرائح الدنيا لحماية محدودي الدخل من الناحية السياسية والاجتماعية، مقابل تحريك الشرائح الأعلى والفئات التجارية والصناعية بمعدلات أكبر، إلى جانب اعتماد آليات تسعير تلقائية دورية بدل القرارات الفردية المفاجئة. هذا التحول لا يعني نهاية الزيادات، بل يعني أن آلية اتخاذها أصبحت أكثر مأسسة وأقل قابلية للتراجع أو التجميد لفترات طويلة كما كان يحدث سابقًا.

كما أن استمرار الفجوة بين افتراضات الموازنة العامة وواقع الأسواق العالمية للطاقة والصرف، يجعل من أي تحسن مؤقت في الأسعار العالمية فرصة لتخفيف عبء الدعم على الخزانة لا لتخفيف الفاتورة عن المواطن بالضرورة. وبين ضغط المطالب الشعبية والبرلمانية بوقف موجات الغلاء، والتزامات الحكومة تجاه مسار الإصلاح المالي المرتبط أصلًا ببرنامج صندوق النقد الدولي ومتطلبات خفض الدين العام، يبدو أن مسار "رفع الأسعار" سيبقى أداة تفعّلها الحكومة كلما استدعت الظروف المالية ذلك، لا سياسة انتهت أو قاربت على الانتهاء.