تشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوي في مصر قفز إلى نحو 13.5% خلال مارس الماضي، مقارنة بنحو 11.5% في الشهر ذاته من العام السابق، وسط تحذيرات من استمرار تآكل القيمة الشرائية للجنيه، وتأثير تقلبات سعر الصرف على جيوب المواطنين. ويأتي هذا التصاعد في وقت تتزامن فيه موجات الغلاء مع قرارات حكومية متتالية برفع أسعار الوقود، رغم تعهدات سابقة بعدم المساس بها خلال 2026، وهو ما أثار جدلًا داخل مجلس النواب، حيث حذّر بعض النواب من أن القرار اتُّخذ بشكل متسرع في ظل موجة تضخم قائمة أصلًا.
ولم يقتصر الأمر على الوقود؛ فقد ترافقت الزيادات مع رفع أسعار تذاكر السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسبة وصلت إلى 25%، وتلويح بزيادات مقبلة في تعرفة الاتصالات والإنترنت، في وقت تتزايد فيه فاتورة الكهرباء المنزلية لتشكل عبئًا متصاعدًا على الأسر. هذه المؤشرات مجتمعة رسّخت لدى شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة وأصحاب المهن البسيطة شعورًا بأن الغلاء لم يعد موجة عابرة، بل بات سمة بنيوية للاقتصاد المحلي، تتغذى من اختلال العلاقة بين الإيرادات العامة وتكلفة الاستيراد، ومن تراكم عقد كامل من القرارات المالية المتلاحقة.

في المقابل، تسوّق الحكومة رواية مغايرة، مفادها أن الاقتصاد المصري حقق خلال العام المالي الحالي أعلى وتيرة نمو ربعي منذ سنوات، مدعومًا بتدفقات دولارية ضخمة وصفقات استثمارية كبرى، وأن الاستثمار الأجنبي المباشر يتجه نحو مستويات غير مسبوقة، بما يتجاوز القطاع العقاري إلى قطاعات استراتيجية كالطاقة والصناعة. غير أن هذا التفاؤل الرسمي يصطدم بواقع أن الدين الخارجي ارتفع مجددًا ليقترب من 161 مليار دولار، وأن أعباء خدمته ستظل التحدي الأكبر أمام الموازنة العامة خلال المرحلة المقبلة.
الجبهة الخارجية: القاهرة تدير ملف غزة سياسيًا وإنسانيًا ولوجستيًا
على الجبهة الثانية، دخلت مصر منذ اندلاع الحرب في غزة أواخر 2023 في واحدة من أعقد مراحل تحركها الدبلوماسي، جامعة بين مهمة الوساطة السياسية، ومواجهة محاولات فرض حلول تمس الثوابت الفلسطينية، وعلى رأسها رفض أي طرح يقوم على تهجير سكان القطاع، مقابل تبنّي رؤية بديلة لإعادة الإعمار داخل أراضي غزة ذاتها. وقادت القاهرة، بالتنسيق مع الدوحة وأنقرة وواشنطن، مسارًا تفاوضيًا متدرجًا انتقل من وقف إطلاق النار إلى تنفيذ ترتيبات المرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك الترتيبات الأمنية والإدارية وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
ومنذ تثبيت وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، انتقل الدور المصري من إدارة الأزمة إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب، عبر خطة متكاملة متعددة السنوات تشمل الإغاثة الطارئة وإعادة البناء والتنمية المستدامة، حظيت بغطاء عربي عبر القمة الطارئة التي استضافتها القاهرة، إضافة إلى الإعلان عن استضافة مؤتمر دولي لحشد التمويل وتنسيق جهود المانحين. وشكّل فتح معبر رفح البري رسميًا في الاتجاهين، بعد سنوات من القيود، محطة مفصلية اعتُبرت في أوساط سياسية فلسطينية انتصارًا للدبلوماسية المصرية في مواجهة مخططات التهجير، وتخفيفًا لمعاناة سكان القطاع عبر إدخال المساعدات ومواد الإعمار وإجلاء المصابين للعلاج.
ولا يقتصر الدور المصري على البُعد السياسي أو الإغاثي؛ فموقع مصر الجغرافي وإمكاناتها اللوجستية، من معبر رفح إلى ميناء العريش وشبكة الطرق في شمال سيناء، إضافة إلى خبرة الشركات المصرية في مشروعات البنية الأساسية، تجعل منها مركزًا إقليميًا لإدارة عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، وليس مجرد نقطة عبور للمساعدات. في المقابل، تواصل إسرائيل الدفع باتجاه فرض واقع أمني جديد داخل القطاع عبر مناطق عازلة على الحدود الشرقية والشمالية، وهو ما يضع القاهرة أمام تحدٍ إضافي في الدفاع عن رؤيتها لإعادة الإعمار داخل حدود غزة دون تغيير في طبيعة السكان أو المساحة المتاحة لهم.
الأعباء المالية للدورين: حين تلتقي فاتورة الداخل بفاتورة الإقليم
الجبهتان لا تسيران بمعزل عن بعضهما من الناحية المالية؛ فكل التزام إقليمي تتحمله القاهرة له انعكاس، ولو غير مباشر، على موازنة دولة تعاني أصلًا من ضغوط تمويلية حادة. فتكلفة رفع أسعار المحروقات وحدها متوقع أن تصل إلى نحو 13.5 مليار دولار بنهاية العام المالي 2026-2027، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى سيولة دولارية إضافية لسد الفجوة بين الصادرات والواردات ولمواجهة أقساط وفوائد الدين التي تلتهم شريحة كبيرة من الإيرادات العامة. وتحمّل الدولة، إلى جانب ذلك، أعباء تشغيل معبر رفح وميناء العريش وشبكة الطرق في شمال سيناء ضمن جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، وهي تكاليف تُصرف من موارد سيادية محدودة أصلًا.
وتراهن الحكومة على مسارين متوازيين لتخفيف هذا الضغط المزدوج: الأول داخلي عبر برنامج وطني لخفض الغلاء وكلف المعيشة يقوم على محاور متعددة أبرزها زيادة المعروض من السلع الأساسية وضبط سلاسل التوريد، والثاني خارجي عبر استضافة مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة يهدف إلى حشد تمويل عربي ودولي لا يثقل كاهل الموازنة المصرية وحدها. غير أن مؤشرات البنك المركزي تشير إلى تباطؤ طفيف في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من 2026، تُعزى جزئيًا إلى تداعيات الصراع الإقليمي، وهو ما يؤكد أن الجبهتين متصلتان اقتصاديًا وإن بدتا منفصلتين في الخطاب الرسمي.
صندوق النقد ومرحلة ما بعد الاتفاق: إصلاح مطلوب وشارع مثقل
يضيف ملف صندوق النقد الدولي بُعدًا آخر لهذه المعادلة المزدوجة. فمصر توصلت في نهاية يونيو 2026 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة من برنامج التسهيل الممدد البالغة قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار، على أن يتيح إقرار هذه المراجعة صرف نحو 1.5 مليار دولار إضافية، فيما تعمل الحكومة بالتوازي على صياغة برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد انتهاء الاتفاق مع الصندوق، تصر من خلاله على أن مصر لن تحتاج إلى ترتيب جديد بعد نهاية البرنامج الحالي، وأن القطاع الخاص سيتصدر قيادة النمو خلال السنوات المقبلة.
لكن اقتصاديين يشككون في واقعية هذا الطرح في المدى القريب، مؤكدين أن انتهاء الاتفاق الحالي لا يعني تلقائيًا الخروج من منظومة اشتراطات الصندوق، خصوصًا في ظل احتياج مصر المتصاعد للسيولة الدولارية لتمويل فاتورة الطاقة وخدمة الدين. وفي الوقت ذاته، جاء قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة ليقلّص فرص الحكومة المصرية في الحصول على تمويل رخيص خارج مظلة الصندوق، وهو ما يعني أن أي تعثر في المراجعات المقبلة سينعكس مباشرة على قدرة الدولة على الاستمرار في برامج دعم أسعار الوقود والسلع الأساسية التي يعوّل عليها لاحتواء غضب الشارع.
توازن هش بين ضبط الداخل وثبات الموقف الإقليمي
ما تحاول الدولة المصرية فعله عمليًا هو الفصل الخطابي بين الملفين، مع إدراك ضمني بأنهما متشابكان ماليًا وسياسيًا. فالحفاظ على الثوابت الوطنية تجاه القضية الفلسطينية، ورفض أي مساس بالأمن القومي في سيناء، يمثلان خطًا أحمر لا مجال للتفاوض بشأنه مهما بلغت كلفته المالية، بينما يبقى ملف الغلاء الداخلي رهينًا بمعادلة أكثر مرونة، تتحرك فيها الحكومة بين رفع الدعم تدريجيًا وطمأنة المواطنين ببرامج تخفيف الأعباء. والسؤال الذي يترتب على هذا المسار المزدوج ليس فقط: إلى متى يمكن للدولة أن تدير الجبهتين معًا دون أن تنهار إحداهما تحت ضغط الأخرى؟ بل أيضًا: هل تملك القاهرة هامش مناورة كافيًا لو طال أمد الالتزامات الإقليمية في وقت لم تُستكمل فيه بعد شروط الخروج الآمن من دائرة الإصلاح المالي المشروط؟ الإجابة، على الأرجح، لن تتضح إلا مع مسار المراجعات المقبلة لصندوق النقد، وتطورات ملف إعادة إعمار غزة خلال الأشهر القادمة.
