حين أصدر رئيس حزب الوفد قراراً بتشكيل 17 لجنة متخصصة في المحافظات، موزعة على ملفات التعليم والصحة والزراعة والصناعة والنقل والإسكان وحقوق الإنسان وغيرها، لم يكن الأمر مجرد إجراء تنظيمي داخلي يمهّد لانتخابات المجالس المحلية، بل طرح من جديد سؤالاً أوسع يتجاوز حزباً بعينه: هل تملك الأحزاب المصرية، عبر بنيتها الحالية، أدوات حقيقية لإنتاج حلول للمشكلات المحلية، أم أن اللجان المتخصصة تظل هياكل شكلية تُستحضر في مواسم الانتخابات ثم تخفت مع انتهائها؟
من "البيان السياسي" إلى "ورقة الحل"
لعقود طويلة، ارتبط الأداء الحزبي في الذهنية العامة بإصدار البيانات والمواقف: بيان تنديد، مؤتمر صحفي، تصريح لرئيس الحزب أو أمينه العام. هذا النمط من العمل السياسي لا يتطلب بالضرورة دراسة متعمقة للمشكلة، بقدر ما يعكس موقفاً عاماً منها. في المقابل، فإن فكرة اللجنة المتخصصة تفترض نموذجاً مختلفاً جوهرياً: فريق من ذوي الخبرة في مجال بعينه، يتابع ملفاً محدداً بشكل مستمر، ويصوغ مقترحات قابلة للتطبيق يمكن أن يحملها ممثلو الحزب إلى البرلمان أو المجالس المحلية في صورة مشروعات قوانين أو طلبات إحاطة أو مساءلات محددة.
الفارق هنا ليس شكلياً. فبينما يكتفي "الموقف" بوصف المشكلة أو التعبير عن الرفض أو التأييد، تفترض "ورقة الحل" أن هناك من يملك المعرفة التقنية والتفصيلية الكافية لصياغة بديل عملي، وهو ما يحتاج إلى تراكم خبرات وبيانات لا يمكن أن يتوفر لحزب سياسي إلا عبر لجان دائمة ومستقرة، لا عبر تشكيلات مناسباتية.
اختبار الاستمرارية: هل تنجو اللجان من موسم الانتخابات؟
تكمن نقطة الضعف التاريخية لتجربة اللجان المتخصصة داخل الأحزاب المصرية في توقيت ظهورها غالباً، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بمواسم انتخابية محددة، سواء كانت برلمانية أو محلية، ثم يخفت نشاطها أو يتجمد بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط "هل شُكّلت اللجان؟" بل "هل ستستمر في العمل بعد إعلان نتائج المجالس المحلية؟".
فوجود 17 لجنة متخصصة بالاسم على الورق لا يعني تلقائياً وجود آلية عمل واضحة: من يحدد أولويات كل لجنة؟ هل تجتمع بشكل دوري؟ هل تصدر تقارير أو دراسات يمكن قياس أثرها؟ وهل يوجد رابط مؤسسي فعلي بين ما تنتجه اللجنة وبين موقف الحزب الرسمي أو أداء نوابه داخل البرلمان والمجالس المحلية؟ في غياب إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، تظل اللجان أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى أداة عمل راسخة.
الكفاءة مقابل الأقدمية.. معضلة تشكيل اللجان ذاتها
يرتبط بنجاح أي لجنة متخصصة، أو فشلها، معيار من يتولى عضويتها. فالقرار المنظم لهذه اللجان يشترط توافق السيرة الذاتية للمرشح، بما تتضمنه من مؤهلات وخبرات علمية وسياسية وعملية، مع طبيعة تخصص كل لجنة، وهو مبدأ سليم من الناحية النظرية. غير أن التطبيق الفعلي داخل الأحزاب يصطدم عادة بمعادلة الأقدمية التنظيمية مقابل الكفاءة الفنية، إذ قد تُمنح عضوية لجنة الصحة أو الزراعة أو الصناعة لعضو قديم في الهيكل الحزبي، دون أن يكون بالضرورة متخصصاً في المجال، وهو ما يفرغ فكرة "التخصص" من مضمونها ويعيد إنتاج نفس منطق المواقف العامة، وإن كان تحت مسمى لجنة فنية.
الفصل بين الأدوار.. خطوة نحو الانضباط المؤسسي
من الجوانب اللافتة في تجربة إعادة هيكلة اللجان داخل حزب الوفد النص الصريح على عدم جواز الجمع بين عضوية هيئة مكتب اللجنة العامة وعضوية هيئة مكتب أي من اللجان المتخصصة، بهدف تحقيق الفصل بين الأدوار داخل الهيكل الحزبي. وهذا النوع من الضوابط، وإن بدا تفصيلاً إدارياً، يعكس محاولة لمنع تركز السلطة والقرار في عدد محدود من الأفراد، وهي إحدى الآفات التي أضعفت تاريخياً قدرة العمل الحزبي المؤسسي على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص.
بين نموذج مصري متكرر وتجربة تحتاج إلى محك الواقع
تكرار تجربة اللجان المتخصصة، سواء داخل حزب الوفد أو غيره من الأحزاب المصرية القديمة والحديثة، يشير إلى أن فكرة "التخصص" باتت جزءاً من الخطاب الحزبي المعلن، بصرف النظر عن مدى تفعيلها الفعلي. فالتحدي لم يعد في القدرة على إصدار قرار بتشكيل لجان بأسماء ملفات كبرى كالصحة والتعليم والزراعة، بل في تحويل هذه اللجان إلى مصدر فعلي للمعرفة التراكمية التي يستند إليها الحزب في مواقفه البرلمانية والمحلية، بدلاً من أن تظل واجهة تنظيمية تصاحب كل استحقاق انتخابي ثم تتلاشى بعده.
فهل يكفي أن تمتلك الأحزاب المصرية هياكل لجان متخصصة على الورق لكي تنتقل من دور "المعلّق على الأزمة" إلى دور "صانع الحل"، أم أن جوهر المشكلة أعمق من التشكيل ذاته، ويكمن في غياب آليات مساءلة داخلية تربط بين عمل هذه اللجان وبين ما يقدمه الحزب فعلياً من مبادرات تشريعية ورقابية على أرض الواقع؟
