في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والإسكان والتنمية العمرانية بمختلف المحافظات، تتزايد أهمية التغطية الصحفية الميدانية لهذه المشروعات، باعتبارها وسيلة رئيسية لنقل ما يجري على أرض الواقع إلى المواطنين، إلا أن مشهدًا من إحدى التغطيات الميدانية أعاد طرح تساؤل مهم حول ظروف عمل الصحفيين داخل مواقع المشروعات ومدى توفير بيئة مناسبة لأداء مهمتهم.

وتظهر الصورة عددًا من الصحفيين والمصورين أثناء تغطية ميدانية داخل موقع عمل، حيث اضطر بعضهم إلى الجلوس أو الجثو على الأرض للحصول على التصريحات أو التقاط الصور، بينما يقف آخرون في محيط الموقع وسط أعمال الإنشاء، في مشهد يعكس طبيعة العمل الصحفي الميداني وما يفرضه أحيانًا من ظروف صعبة.

المشهد، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على الجهة المنظمة للتغطية أو اتهامها بالتقصير، يطرح سؤالًا يستحق النقاش: هل تحظى التغطية الصحفية داخل مواقع المشروعات بالتنظيم الذي يتناسب مع أهمية الدور الذي يقوم به الإعلام؟

الصحفي في موقع المشروع.. ناقل للمعلومة من أرض الواقع

تغطية المشروعات الكبرى لا تقتصر على حضور الصحفي للاستماع إلى تصريحات المسؤولين، وإنما تتطلب في كثير من الأحيان التحرك داخل مواقع التنفيذ، ومتابعة الأعمال، والتقاط الصور، وإجراء المقابلات، والحصول على المعلومات من المسؤولين والعاملين بالمشروع.

وفي المقابل، فإن مواقع الإنشاء بطبيعتها تختلف عن الأماكن التقليدية لعقد المؤتمرات أو اللقاءات الصحفية؛ فهي تضم معدات وأعمالًا هندسية وحركة مستمرة للعاملين، ما يجعل تنظيم وجود وسائل الإعلام داخلها أمرًا ضروريًا، ليس فقط لتسهيل مهمة الصحفي، ولكن أيضًا لضمان سلامته وسلامة العاملين بالموقع.

ومن هنا تبرز أهمية تخصيص مساحة مناسبة للصحفيين خلال الجولات الميدانية، تتيح لهم الحصول على التصريحات وإجراء المقابلات دون تزاحم، مع تحديد مسارات آمنة للحركة، خصوصًا في المواقع التي تشهد أعمال إنشاء أو تشغيل معدات.

بين الصورة والمشهد العام.. ضرورة عدم التسرع في الحكم

ومن المهم عند التعامل مع مثل هذه المشاهد عدم إصدار أحكام قاطعة استنادًا إلى صورة واحدة؛ فالصورة قد تكون نتيجة لحظة عابرة فرضتها طبيعة التغطية أو المكان، وقد يكون الصحفي أو المصور قد اختار بنفسه وضعية معينة للحصول على زاوية تصوير أو تسجيل تصريح.

لكن في الوقت نفسه، فإن تكرار مثل هذه المشاهد يستحق التوقف أمامه، خاصة إذا كانت التغطيات الميدانية تتم بصورة منتظمة داخل مواقع المشروعات.

فالقضية هنا ليست في جلوس صحفي على الأرض في حد ذاته، وإنما في مدى توافر ظروف عمل منظمة وآمنة ومهنية لوسائل الإعلام أثناء تغطية المشروعات.

التنظيم الجيد يخدم الإعلام والمشروع

توفير بيئة مناسبة للصحفيين داخل مواقع المشروعات لا ينبغي النظر إليه باعتباره رفاهية، إذ إن التنظيم الجيد للتغطية يساعد في خروج الصورة الإعلامية للمشروع بصورة أكثر وضوحًا، ويمنح الصحفي فرصة أفضل لطرح الأسئلة والحصول على المعلومات والتقاط الصور وإجراء المقابلات.

كما أن وجود آلية واضحة للتعامل مع وسائل الإعلام خلال الجولات، سواء من خلال تحديد أماكن التصريحات أو تنظيم حركة المصورين أو توفير متطلبات السلامة، يمكن أن يقلل من التزاحم ويمنع تعرض أي من المشاركين في التغطية لمخاطر غير ضرورية.

احترام الصحفي يبدأ من بيئة العمل

المسألة الأهم التي يطرحها هذا المشهد ليست أين جلس الصحفي، وإنما كيف ننظر إلى العمل الصحفي الميداني باعتباره جزءًا من منظومة نقل المعلومات إلى المواطن.

فالصحفي الذي يتواجد في موقع مشروع إنشائي لا يؤدي مهمة ترفيهية؛ بل يعمل على نقل تفاصيل مشروع قد يرتبط بحياة آلاف المواطنين ومستقبل منطقة أو مدينة كاملة. وكلما كانت ظروف التغطية أكثر تنظيمًا، تمكن الصحفي من أداء مهمته بصورة أفضل، وكانت المعلومات والصور التي تصل إلى الجمهور أكثر دقة ووضوحًا.

لذلك، فإن توفير مساحة مناسبة وآمنة ومنظمة لوسائل الإعلام داخل مواقع المشروعات يمثل مصلحة مشتركة للصحفي والجهة المنفذة والجمهور في الوقت نفسه.

والصورة قد تكون مجرد لحظة عابرة، لكنها تظل مناسبة لطرح سؤال أكبر: هل نحتاج إلى تطوير آليات تنظيم التغطيات الصحفية الميدانية بما يواكب حجم المشروعات التي يجري تنفيذها؟