تحيي جامعة الدول العربية يوم الوثيقة العربية في 17 أكتوبر من كل عام، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الوثائق في حفظ التاريخ والهوية العربية، وصون ذاكرة الشعوب وحقوقها، إلى جانب تسليط الضوء على الجهود الرامية إلى استعادة الأرشيفات العربية التي نُقلت إلى الخارج، خاصة خلال فترات الاستعمار.

ولا تقتصر المناسبة على الاحتفاء بالمخطوطات والسجلات التاريخية، بل تمتد لتؤكد أهمية الوثائق باعتبارها مصدرًا أساسيًا لتوثيق الأحداث وإثبات الحقوق، وحماية التراث الثقافي والسياسي والاجتماعي للدول والشعوب.

ورغم أن جامعة الدول العربية تحيي هذه المناسبة سنويًا منذ عام 2012، فإن جذورها تعود إلى مبادرة بدأت قبل نحو ربع قرن، بهدف توحيد الجهود العربية لحماية الوثائق، وتعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية بالأرشيف والتوثيق.

لماذا اختير يوم 17 أكتوبر للاحتفال بالوثيقة العربية؟

تعود فكرة الاحتفال بيوم الوثيقة العربية إلى مبادرة أطلقها النادي العربي للمعلومات والوثائق، سعيًا إلى نشر الوعي بأهمية الوثائق في حفظ التاريخ العربي، وتشجيع المؤسسات المتخصصة على التعاون في صونها وحمايتها وإتاحتها للباحثين والأجيال المقبلة.

وفي 17 أكتوبر 2001، أُقيم أول احتفال بهذه المناسبة بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثاني للنادي، قبل أن تتبنى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» المبادرة خلال اجتماع مجلسها التنفيذي في تونس.

وفي خطوة عززت الطابع الرسمي للمناسبة، وافق مجلس الوزراء العرب المسؤولون عن الشؤون الثقافية، في 9 أبريل 2003، على تخصيص يوم 17 أكتوبر من كل عام للاحتفال بالوثيقة العربية.

وبدأت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية تنظيم احتفال سنوي بالمناسبة منذ عام 2012، بالتعاون مع المؤسسات العربية المعنية بالتوثيق، لتتحول إلى منصة لتسليط الضوء على قضايا الأرشيف وحماية الذاكرة العربية.

الوثائق العربية.. سجل التاريخ ودليل إثبات الحقوق

تمثل الوثائق أحد أهم مصادر المعرفة التاريخية، إذ لا يقتصر دورها على تسجيل الأحداث وتوثيق الوقائع، بل يمتد إلى إثبات الحقوق وحفظ الاتفاقيات والمعاهدات، وتوثيق الحدود والعلاقات بين الدول.

كما تسهم الوثائق في صون التراث الثقافي والسياسي والاجتماعي، وتوفر للأجيال الجديدة مصادر أصلية تساعدها على فهم تاريخ المنطقة وتطور مجتمعاتها، بعيدًا عن الاعتماد على الروايات غير المدعومة بالأدلة.

وتكتسب الوثائق أهمية إضافية في القضايا المرتبطة بالسيادة والحقوق الوطنية، إذ يمكن أن تمثل السجلات التاريخية والمراسلات الرسمية والاتفاقيات القديمة أدلة مهمة عند بحث النزاعات أو توثيق الحقوق والممتلكات.

ومن هذا المنطلق، أصبح الحفاظ على الوثائق العربية جزءًا من الجهود الرامية إلى حماية الذاكرة الوطنية، وضمان بقاء المصادر التاريخية متاحة أمام الباحثين والمؤسسات والأجيال المقبلة.

استعادة الأرشيفات العربية المنقولة إلى الخارج

تحتل قضية استعادة الأرشيفات العربية التي نُقلت إلى الخارج، خاصة خلال فترات الاستعمار، مكانة بارزة ضمن أهداف يوم الوثيقة العربية، لما تمثله هذه الأرشيفات من قيمة تاريخية وقانونية وثقافية.

وتعمل المؤسسات العربية المعنية بالتوثيق على حصر الأرشيفات المنهوبة والمسلوبة والمنقولة إلى دول أجنبية، وبحث السبل المناسبة لاستعادتها أو الحصول على نسخ منها، بما يتيح للدول العربية الوصول إلى مصادر تاريخها والحفاظ عليها.

وفي هذا السياق، شهدت فعاليات يوم الوثيقة العربية عام 2022 اجتماعًا للجنة التنفيذية المعنية بالاستراتيجية العربية الموحدة لاستعادة الأرشيفات العربية، في إطار تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية ومتابعة الجهود المرتبطة بهذا الملف.

وتعكس هذه التحركات إدراكًا متزايدًا لأهمية الأرشيفات في حماية الهوية الوطنية، إذ لا تمثل الوثائق مجرد أوراق قديمة، بل تحمل معلومات وشواهد قد ترتبط بحقوق الدول والشعوب وتاريخها السياسي والاجتماعي.

التحول الرقمي يفتح آفاقًا جديدة لحماية الوثائق

مع التطور التكنولوجي، لم تعد جهود الحفاظ على الوثائق تقتصر على جمعها وتخزينها في الأرشيفات التقليدية، بل امتدت لتشمل رقمنتها وتطوير أنظمة حفظها وإتاحتها إلكترونيًا.

وتساعد الرقمنة على الحد من مخاطر التلف والفقدان، وتسهيل الوصول إلى الوثائق، وتمكين الباحثين والمهتمين من الاطلاع على محتوياتها دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع النسخ الأصلية، بما يسهم في الحفاظ عليها لفترات أطول.

كما تتيح التقنيات الحديثة فرصًا أوسع لتبادل المعلومات بين المؤسسات الأرشيفية العربية، وتطوير قواعد البيانات، وتحسين إدارة السجلات التاريخية، بما يدعم التعاون البحثي والثقافي بين الدول.

«الأرشيف الأخضر» وتوثيق مسيرة العمل العربي المشترك

انعكست التحولات الحديثة في مجال الأرشفة على موضوعات الاحتفال بيوم الوثيقة العربية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ حمل احتفال عام 2024 عنوان «الأرشيف الأخضر»، مسلطًا الضوء على قضايا الاستدامة والتحول الرقمي في حفظ الوثائق وإدارتها.

وفي عام 2025، ركز الاحتفال على توثيق ثمانين عامًا من العمل العربي المشترك، بالتزامن مع الذكرى الثمانين لتأسيس جامعة الدول العربية، بما أبرز دور الوثائق في تسجيل مسيرة التعاون العربي وتطور مؤسساته.

وتؤكد هذه الموضوعات اتساع نطاق الاهتمام بالوثيقة العربية، من مجرد حفظ السجلات التاريخية إلى تطوير وسائل إدارتها وإتاحتها، وتعزيز الاستفادة منها في البحث العلمي والتخطيط وصون الذاكرة الجماعية.

يوم الوثيقة العربية.. حماية الماضي وصون حقوق المستقبل

يمثل يوم الوثيقة العربية مناسبة لتجديد الاهتمام بحماية الأرشيفات والمصادر التاريخية، وتعزيز التعاون العربي في مجال التوثيق، والعمل على استعادة الوثائق التي خرجت من المنطقة، إلى جانب مواكبة التطورات التكنولوجية في حفظ السجلات وإتاحتها.

وفي ظل التحديات التي تواجه الأرشيفات التقليدية والرقمية، تبرز أهمية وضع آليات فعالة لحماية الوثائق من التلف أو الضياع، وضمان توثيقها وتصنيفها وإتاحتها وفق ضوابط تحفظ قيمتها التاريخية والقانونية.

فالوثيقة ليست مجرد سجل لما حدث في الماضي، بل شاهد يمكن الاستناد إليه لفهم الحاضر وإثبات الحقوق وحماية الهوية. ومن ثم، فإن الحفاظ عليها يمثل مسؤولية مشتركة تضمن للأجيال المقبلة الوصول إلى تاريخها من مصادره الأصلية، وتمنح الذاكرة العربية فرصة البقاء حية وموثقة عبر الزمن.