شهدت كأس العالم للسيدات، منذ انطلاقها عام 1991، تطورًا هائلًا لم يقتصر على الجانب الرياضي فحسب، بل امتد ليؤثر بشكل مباشر على النظرة السياسية والاجتماعية للمرأة ودورها في المجتمع، لم تعد البطولة مجرد حدث رياضي، بل تحوّلت إلى منصة عالمية لتمكين المرأة، ومحاربة التمييز، والدعوة للمساواة.
في بدايتها، كانت بطولة كأس العالم للسيدات تُنظّم بميزانيات محدودة واهتمام إعلامي وجماهيري أقل بكثير من نظيرتها للرجال؛ لكن بفضل جهود اللاعبات، والاتحادات، وارتفاع مستوى اللعبة، أصبحت البطولة تجذب ملايين المشاهدين حول العالم، وآخرها كان مونديال 2023 الذي استضافته أستراليا ونيوزيلندا، وشهد أرقامًا قياسية في الحضور الجماهيري والمتابعة التلفزيونية، هذا النجاح المالي والجماهيري أعطى كرة القدم النسائية قوة تفاوضية لم تكن تمتلكها من قبل.
أحد أبرز التغييرات التي أحدثتها البطولة هو الدفع نحو المساواة في الأجور، لطالما كانت هناك فجوة هائلة بين رواتب لاعبي ولاعبات كرة القدم؛ لكن اللاعبات أصبحن يرفعن أصواتهن بشكل متزايد للمطالبة بإنهاء هذا التمييز، في عام 2023، رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قيمة الجوائز المالية لكأس العالم للسيدات إلى 150 مليون دولار، وهو ما يمثل زيادة كبيرة عن النسخ السابقة، وعلى الرغم من أن الفجوة لا تزال قائمة، إلا أن هذا التغيير يُعدّ خطوة سياسية مهمة نحو الاعتراف بقيمة كرة القدم النسائية.
لعبت كأس العالم للسيدات دورًا محوريًا في تغيير النظرة للمرأة في العديد من الدول، خاصة تلك التي كانت تعتبر كرة القدم رياضة حكرًا على الرجال، مشاركة فرق من دول مثل المغرب في مونديال 2023، كانت بمثابة نقطة تحول تاريخية، هذه المشاركة لم تكن مجرد إنجاز رياضي، بل رسالة سياسية وثقافية بأن المرأة قادرة على تحقيق أعلى الإنجازات في المجالات التي كانت تُعد حكرًا على الرجال، كما أن رؤية لاعبات محجبات يشاركن في البطولة ساهم في تحدي الصور النمطية السلبية عن المرأة المسلمة.
لم يقتصر تأثير البطولة على الملاعب، بل امتد ليشمل شراكات مع منظمات دولية، في مونديال 2023، أطلقت الأمم المتحدة للمرأة بالتعاون مع الفيفا حملتين مهمتين: "اتحدوا من أجل المساواة بين الجنسين" و"اتحدوا من أجل إنهاء العنف ضد النساء".. هذه الشراكات تؤكد أن كرة القدم النسائية أصبحت أداة سياسية فعالة للترويج لقضايا حقوق المرأة على مستوى عالمي.
تجاوزت كأس العالم للسيدات كونها مجرد بطولة رياضية، لتصبح حركة سياسية واجتماعية قوية، من خلال المطالبة بالمساواة، وتحطيم الحواجز الثقافية، وتقديم نماذج ملهمة، ساهمت البطولة في تغيير النظرة العامة للمرأة من مجرد "نصف المجتمع" إلى شريك فاعل ومنافس قوي في جميع المجالات.