تشهد مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، وضعاً إنسانياً بالغ الخطورة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وسط تقارير متواترة عن عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة النطاق. وفي ظل التدهور السريع للوضع الأمني، أعلنت الأمم المتحدة عن تنسيق مكثف مع دول المنطقة والاتحاد الإفريقي وعدد من المنظمات الدولية لضمان ممرات آمنة للمدنيين ومحاولة إيصال المساعدات الإنسانية.
وقال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن المنظمة تعمل بالتعاون مع اليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي وهيئات أممية أخرى لتأمين خروج من يرغب من سكان الفاشر، مشيراً إلى أن حجم الكارثة الإنسانية يتفاقم مع تصاعد العنف وارتفاع معدلات الجوع. وأضاف أن صعوبة الوصول إلى المدينة تمثل العائق الأكبر أمام تدفق المساعدات، رغم الجهود المبذولة للدخول عبر مسارات محدودة.
وأوضح حق أن برنامج الأغذية العالمي يضخ أسبوعياً نحو 400 طن من المواد الغذائية دعماً للمتضررين، إلى جانب مساعدات إضافية تقدّمها مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، التي كثّفت جهودها الميدانية لتعويض الانهيار الكبير في الخدمات.
اتهامات بالتطهير العرقي وجرائم الحرب
من جانبه، اتهم مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، قوات الدعم السريع بتنفيذ «مخطط تطهير عرقي ممنهج» ضد مجموعات سكانية محددة في الفاشر، مؤكداً أن عمليات القتل تمت بناءً على التصنيف العِرقي والإثني للسكان. وقال إن الانتهاكات شملت إعدامات ميدانية وقتلاً داخل المنازل واعتداءات جماعية، إضافة إلى استهداف المستشفيات والمرافق المدنية.
وأشار مناوي إلى أن العديد من الانتهاكات وثّقتها قوات الدعم السريع نفسها عبر مقاطع مصورة، ما يجعل إنكارها «غير ممكن»، على حد تعبيره. وأكد أن الجرائم المرتكبة «ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية»، مشدداً على أنها امتداد لما وقع في دارفور عام 2003.
ودعا حاكم دارفور المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل وفتح تحقيق شامل وتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى العدالة، محذراً من أن ما ظهر للإعلام «لا يمثل سوى جزء صغير من الحقيقة»، وأن مناطق أخرى مثل زمزم تشهد انتهاكات مماثلة.
انهيار صحي غير مسبوق
وفي السياق نفسه، حذّرت د. نازك أبوزيد، رئيسة مكتب أطباء لحقوق الإنسان، من انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في السودان، مؤكدة أن التمويل المخصص للصحة لا يتجاوز «عُشر الاحتياجات الفعلية»، بينما يذهب الجزء الأكبر من الموارد إلى العمليات العسكرية.
وقالت إن أكثر من 80% من المؤسسات الصحية خرجت عن الخدمة بسبب القتال والنهب وانعدام الأمن، فيما تعمل المستشفيات المتبقية بأقل من 40% من طاقتها. وحذّرت من تفشّي الأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات نتيجة نقص الرعاية الطبية، داعية إلى دعم دولي عاجل للقطاع الصحي.
تحذيرات أمريكية… والأزمة «الأكبر عالمياً»
ووصف مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا، الحرب في السودان بأنها «أكبر أزمة إنسانية في العالم اليوم»، مشيراً إلى أن ما جرى في الفاشر خلال الأسابيع الأخيرة «غير مقبول على الإطلاق» ويمثل فظائع يجب وقفها فوراً.
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف ونزح نحو 12 مليون شخص، بينما أدت سيطرة الدعم السريع على الفاشر – بعد حصار استمر 18 شهراً – إلى تصاعد المخاوف الدولية من تكرار سيناريوهات الإبادة الجماعية في دارفور.
تحقيق أممي عاجل… و«بقع دماء شوهدت من الفضاء»
وفي خطوة تصعيدية، أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بفتح تحقيق عاجل في الانتهاكات التي شهدتها الفاشر، مع تكليف بعثة تقصي الحقائق بتحديد المسؤولين عنها تمهيداً لمحاسبتهم.
وخلال الجلسة الخاصة حول السودان، قال فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن الفظائع في الفاشر «كان من الممكن منعها لكنها لم تُمنع»، مشيراً إلى عمليات قتل جماعي وإعدامات على أساس عرقي وعنف جنسي واغتصاب جماعي وخطف واعتقالات تعسفية.
وكشف تورك أن صور الأقمار الصناعية التقطت «بقع الدماء على الأرض»، واصفاً ما يحدث بأنه «وصمة عار على جبين المجتمع الدولي»، محذراً في الوقت نفسه من تفاقم الوضع في كردفان التي قد تواجه المصير ذاته ما لم يتم التحرك سريعاً.
وأضاف أن النزاع في السودان أصبح «صراعاً بالوكالة» على الموارد الطبيعية، تشارك فيه أطراف إقليمية ودولية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات ضد الجهات التي تموّل الحرب وتستفيد منها.
كارثة إنسانية بلا أفق
مع تواصل القتال وانعدام المسارات الآمنة، تعجز الأسر عن الخروج من الفاشر، بينما تتصاعد التحذيرات الدولية من مجاعة وشيكة قد تطال ملايين السودانيين. وبينما تستمر الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في جهودها، يبقى الوضع على الأرض مرشحاً لمزيد من التعقيد في ظل غياب حل سياسي وغياب أفق لوقف إطلاق النار.
