في واحدة من أخطر قضايا تهريب واختلاس التراث في العقود الأخيرة، كشفت تحقيقات النيابة العامة تفاصيل مثيرة حول واقعة سرقة 370 قطعة أثرية من داخل المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، بعد أن تبيّن أن الجناة استخدموا خطة محكمة لاستبدال القطع الأصلية بنسخ مقلدة داخل المخازن، في جريمة غير مسبوقة نفّذها موظفون يتمتعون بإمكانية وصول مباشر للقطع النادرة.

وتشير التحقيقات –وفقًا لشهادات موظفين بوزارة السياحة والآثار وعناصر الأمن الإداري– إلى أن الجناة استغلوا ثغرات في منظومة الجرد والتأمين، وتمكنوا عبر فترة زمنية ممتدة من تهريب قطع أثرية نادرة، بعضها ظهر لاحقًا خارج البلاد، الأمر الذي أشعل الشكوك وأعاد فتح القضية التي تحمل رقم 1935 لسنة 2015 جنايات مصر القديمة.

مشهد يبدأ بـ«حقيبة هدايا»… وينتهي بكشف شبكة كاملة

من أكثر الشهادات لفتًا للانتباه، جاءت شهادة أحمد عزمي سيد عبد ربه، فرد الأمن بالمتحف، الذي أكد أنه شاهد المتهم الثاني يحمل “حقيبة الهدايا” التي صودرت لاحقًا، أثناء دخوله المخزن التحفي بصحبة المتهم الأول في نفس الفترة الزمنية التي فقدت خلالها القطع. عزمي تعرف على الحقيبة بعد ضبطها، مؤكّدًا أنها استخدمت في نقل قنينة أثرية أصلية إلى خارج المتحف، وهو ما دعم ما ورد في التحريات.

مفتش آثار يروي: الاستبدال كان ممنهجًا ومدروسًا

أما علي السيد، مفتش الآثار بالمتحف، فكشف في أقواله أن عملية الاستبدال لم تكن عشوائية. بل تمت “بمنهج دقيق”، عبر استغلال ضعف الإغلاق في غرف المخازن وثغرات إجراءات التسليم والتسلم. وأشار المفتش إلى أن النسخ المقلدة كانت ذات جودة عالية “يصعب كشفها للوهلة الأولى”، ما يؤكد تدخل عناصر ذات خبرة في مجال التقليد الأثري.

وتؤكد التحقيقات أن المتهم الثالث تولى مهمة صناعة النسخ المقلدة، بينما تولى المتهمان الأول والثاني إخراج القطع الأصلية من المخازن ووضع المقلدة مكانها.

شهادات تكشف بداية انهيار خطة التمويه

الشاهد خالد أحمد صادق، أحد الموظفين، أفاد أنه لاحظ وجود كسر في صومعة حديدية بالشباك الفاصل بين غرفته وغرفة المتهم الأول. هذا الكسر كان “الخيط الأول” الذي قاده لمراجعة عهدته ليكتشف اختفاء عدة قطع. وعند مواجهة المتهم الأول، اعترف الأخير بارتكاب السرقة، قبل أن يُضبط داخل غرفته وبحوزته قطعة مقلدة لتمثال وقنينة أثرية، في واحدة من اللحظات التي دعمت القضية بشكل حاسم.

تفاصيل الاختلاس: أرقام صادمة تكشف حجم الجريمة

أوراق القضية تشير إلى أن المتهمين استوليا على:

·         345 قطعة من عهدة الموظف خالد أحمد صادق

·         4 قطع من عهدة الموظف السيد علي

·         12 قطعة من عهدة الموظفة نعمة محمد أحمد

·         7 قلادات أثرية كانت مودعة لدى المتهم الأول

·         9 قطع من عهدة المتهم الأول نفسه

ليصبح الإجمالي 370 قطعة تم تهريب بعضها خارج البلاد بالتعاون مع طرف مجهول.

إجراءات صارمة: منع سفر وتحفظ على الأموال

أصدرت جهات التحقيق قرارات بوضع المتهمين –وهم موظفون في مجال الآثار– على قوائم المنع من السفر، والتحفظ على أموالهم لضمان عدم التصرف في العائدات المتحصلة من الجريمة. كما تواصل النيابة مراجعة سجلات النقل والتخزين للتأكد من عدم وجود وقائع مشابهة خلال السنوات الماضية.

من قاعة المحكمة إلى قاعة الخطر على التراث

كانت محكمة جنايات القاهرة قد حدّدت جلسة 16 نوفمبر لنظر القضية، وهي الجلسة التي عُقدت بالفعل، وتواصل المحكمة الآن دراسة ما ورد إليها من أدلة وتقارير فنية. ولا تزال الإجراءات القضائية مستمرة، فيما يترقب العاملون في قطاع الآثار والمهتمون بالتراث المصري ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من المحاكمة، نظرًا لحساسية القضية وخطورتها على سمعة منظومة حفظ التراث.

جريمة تهز الثقة وتكشف هشاشة منظومة الحماية

تكشف هذه القضية عن وجود ثغرات إدارية داخل منظومة الحفظ والمتابعة في أحد أهم المتاحف المصرية، الأمر الذي يستدعي مراجعة إجراءات التأمين والجرد والتوثيق لضمان منع تكرار مثل هذه الوقائع. وتواصل جهات التحقيق عملها لاستكمال الصورة الكاملة، بينما تنتظر المؤسسات المعنية نتائج التقارير والمحاكمة بهدف تعزيز آليات حماية التراث الوطني الذي يمثل قيمة تاريخية وثقافية لا تُقدّر بثمن.