الوساطة الباكستانية تختبر فرص التهدئة بين واشنطن وطهران.. شروط إيرانية وتصعيد يهدد المفاوضات
تتجدد التحركات الدبلوماسية لاحتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تواجه فيه جهود الوساطة الباكستانية اختبارًا جديدًا، بعدما تمسكت طهران بضرورة تنفيذ شروطها قبل استئناف المفاوضات، بينما تؤكد واشنطن أن أي اتفاق محتمل يجب أن يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وجاءت زيارة قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران في 20 أكتوبر الجاري، ضمن مساعي إسلام آباد لإحياء المسار التفاوضي الذي تعثر عقب انهيار التفاهمات السابقة بين الجانبين. والتقى منير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولين إيرانيين آخرين، في محاولة لبحث فرص استعادة الاتصالات الدبلوماسية ومنع تجدد المواجهات.
لكن نتائج الزيارة لم تحمل إعلانًا عن اتفاق جديد، إذ شدد قاليباف على أن استعادة الثقة بين طهران وواشنطن تتطلب تنفيذ الشروط الإيرانية السبعة، معتبرًا أن الخطوات الأمريكية السابقة عمّقت انعدام الثقة بين الطرفين. كما أكدت تصريحات إيرانية أن بلاده لن تدخل في مفاوضات جديدة قبل اتخاذ واشنطن خطوات تستجيب لمطالبها.
شروط طهران.. من العقوبات إلى مضيق هرمز
تتمحور الخلافات الحالية حول مستقبل مضيق هرمز، ورفع القيود الأمريكية المفروضة على الموانئ الإيرانية، وتخفيف العقوبات على صادرات النفط، إلى جانب وقف الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات الإقليمية.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد طرح، خلال سبتمبر الماضي، إمكانية إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الطبيعية خلال سبعة أيام، إذا استجابت الولايات المتحدة للشروط اللازمة. وتقول طهران إن تنفيذ هذه الخطوات يمثل مدخلًا لاستعادة الثقة والعودة إلى التفاهمات السابقة.
ومع ذلك، لم تُنشر قائمة رسمية كاملة ومفصلة بالشروط السبعة في المصادر المتاحة؛ لذلك لا يمكن التعامل مع كل البنود المتداولة إعلاميًا باعتبارها قائمة نهائية مؤكدة.
وتبقى المطالب المتعلقة بالحصار البحري والعقوبات النفطية ووقف الأعمال القتالية من أبرز النقاط التي أكدت عليها التصريحات الإيرانية والتغطيات الإخبارية.
ولا يقتصر الخلاف على الجوانب الاقتصادية والأمنية، بل يمتد إلى الملف النووي، الذي يمثل إحدى أبرز نقاط التباعد بين الجانبين. فبينما ترفض طهران، وفق تصريحات مسؤوليها، إخراج موادها النووية المخصبة من البلاد، تصر واشنطن على ألا يؤدي أي اتفاق إلى فتح الطريق أمام إيران لامتلاك سلاح نووي.
واشنطن ترحب بالوساطة.. لكنها تتمسك بالملف النووي
في المقابل، أبدت الإدارة الأمريكية ترحيبًا بجهود الوساطة التي تقودها دول في المنطقة، من بينها باكستان وقطر، لكنها لم تُظهر استعدادًا للتخلي عن مطالبها الأساسية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام باكستانية ودولية في 21 أكتوبر، إن واشنطن ترحب بجهود الوساطة، مشددًا على أن القرار النهائي بشأن أي اتفاق يظل بيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأن الولايات المتحدة لن تقبل باتفاق يتيح لإيران امتلاك سلاح نووي.
ويكشف هذا الموقف عن فجوة جوهرية بين أولويات الطرفين؛ فطهران تريد معالجة تداعيات الحصار والعقوبات والضغوط العسكرية باعتبارها مدخلًا للتفاوض، بينما تعتبر واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي شرطًا أساسيًا لأي تسوية.
وبذلك، تواجه الوساطة الباكستانية مهمة تتجاوز مجرد إعادة الطرفين إلى طاولة الحوار، إذ يتعين عليها البحث عن صيغة تسمح بتبادل الخطوات بين الجانبين، دون أن يبدو أي منهما مضطرًا إلى تقديم تنازلات تمس حساباته الأمنية والسياسية.
التهديد العسكري يضغط على المسار الدبلوماسي
وتتزامن هذه التحركات مع استمرار المخاوف من اتساع المواجهة العسكرية.
فقد أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، في تقرير نُشر في 21 أكتوبر، بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجّه بإعداد خطط لشن حملة عسكرية واسعة على إيران خلال أكتوبر، لكن التقرير أشار إلى أن ترامب عارض استئناف الهجوم قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر.
وفي المقابل، نشرت «جيروزاليم بوست» تقريرًا في اليوم نفسه نقل عن مصادر قولها إن الجيش الإسرائيلي لم يكن يخطط لشن هجوم في العاشر من أكتوبر بالصورة التي وردت في تقارير أخرى، وهو ما يعكس وجود تباين في الروايات المنشورة بشأن تفاصيل الخطة العسكرية وتوقيتها.
ويعني ذلك أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة، لكن تفاصيل أي عملية محتملة ومدى مشاركة الولايات المتحدة فيها تظل غير محسومة في ضوء المعلومات المتاحة.
كما أن استمرار التهديدات العسكرية يضع الوسطاء أمام سباق مع الوقت، لتجنب انهيار ما تبقى من فرص التسوية.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط تتجاوز حدود الصراع
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر الأزمة، نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي في حركة تجارة الطاقة العالمية. وقد أدت الاضطرابات الأمنية في المنطقة إلى زيادة المخاوف بشأن سلامة الملاحة وإمدادات النفط، في وقت تراقب فيه الأسواق تداعيات استمرار الحرب وتعثر المفاوضات.
وفي 21 أكتوبر، أفادت «رويترز» بأن أسعار النفط ظلت عند مستويات مرتفعة وسط مخاوف مرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط، في حين أشارت تغطيات أخرى إلى تعرض سفن لهجمات في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
وتتجاوز تداعيات الأزمة حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، إذ إن استمرار الاضطراب في المضيق يهدد برفع تكاليف النقل والتأمين البحري، ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة والاقتصادات المستوردة للنفط.
ومن هنا، فإن إعادة فتح المضيق لا تمثل مجرد بند تفاوضي بين الطرفين، بل ترتبط باستقرار الملاحة الدولية وتخفيف المخاطر الاقتصادية الناجمة عن استمرار المواجهة.
هل تنجح إسلام آباد في منع جولة جديدة من الحرب؟
تستند الوساطة الباكستانية إلى قدرتها على التواصل مع الطرفين، بعدما أسهمت جهودها السابقة في التوصل إلى تفاهمات خلال العام الجاري. غير أن تعثر تلك التفاهمات يثير تساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن وطهران للعودة إلى صيغة تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وتواجه إسلام آباد معادلة صعبة: إقناع الولايات المتحدة باتخاذ خطوات تخفف الضغوط على إيران، مقابل الحصول على التزامات إيرانية تتعلق بالملاحة الإقليمية والملف النووي، مع تجنب تحول الوساطة إلى مجرد قناة لنقل المطالب المتعارضة.
وفي ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، قد تؤثر الحسابات السياسية الداخلية في توقيت القرارات المتعلقة بالحرب والتفاوض، لكن لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن الانتخابات وحدها ستحدد مسار الأزمة أو تدفع أيًا من الطرفين إلى تقديم تنازلات.
وبين تمسك إيران بشروطها، وإصرار واشنطن على ضمانات نووية، واستمرار التهديدات العسكرية، يبقى نجاح الوساطة مرهونًا بقدرة الطرفين على الاتفاق على خطوات متبادلة قابلة للتنفيذ. وحتى يتحقق ذلك، تظل فرص استئناف المفاوضات قائمة، لكنها تصطدم بخلافات جوهرية تجعل احتواء التصعيد أكثر إلحاحًا وصعوبة في آن واحد.
