أكد رئيس مجلس الوزراء اللبناني، الدكتور نواف سلام، أن تنظيم أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان يمثل جزءًا أساسيًا من جهود الدولة لاستعادة دور مؤسساتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، مشددًا على ضرورة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية داخل المخيمات، بما يضمن تطبيق القانون وتحقيق الاستقرار.
جاء ذلك خلال مشاركته في فعاليات إطلاق مسار المشاورات بشأن الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان، بحضور ممثل الرئيس الفلسطيني، حيث استعرض سلام أهداف الخطة وأبعادها الأمنية والقانونية والإنسانية والاجتماعية، مؤكدًا أهمية التعاون بين المؤسسات اللبنانية والجهات الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وأوضح رئيس الحكومة اللبنانية أن معالجة ملف المخيمات لا تقتصر على الجوانب الأمنية فقط، وإنما تتطلب رؤية متكاملة تعالج مختلف التحديات التي تواجه اللاجئين الفلسطينيين والمجتمعات اللبنانية المحيطة بهم، مع الحفاظ على السيادة اللبنانية والحقوق الإنسانية للاجئين.
نواف سلام: حوكمة المخيمات جزء من استعادة دور الدولة اللبنانية
وأشار سلام إلى أن حوكمة المخيمات الفلسطينية تندرج في صميم الجهود الرامية إلى إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، لافتًا إلى أن وثيقة الوفاق الوطني نصت على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
وأضاف أن الرئيس اللبناني جوزيف عون جدد التأكيد على هذه المبادئ في خطاب القسم، كما شددت الحكومة في بيانها الوزاري على الالتزام بحصرية السلاح، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
ولفت إلى أن القمة التي جمعت الرئيسين جوزيف عون ومحمود عباس في بيروت خلال مايو 2025، أكدت احترام السيادة اللبنانية وحصرية السلاح، إلى جانب العمل على تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين.
لبنان يتحرك لتنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات
وأوضح رئيس الوزراء اللبناني أنه في الخامس من أغسطس 2025، كلف مجلس الوزراء الجيش بإعداد خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة، مشيرًا إلى أن الحكومة بدأت، بالتعاون مع القيادة الفلسطينية، خطوات لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني، مع استمرار العمل لاستكمال هذه الإجراءات.
وشدد سلام على أن المخيمات الفلسطينية تقع ضمن الأراضي اللبنانية وتخضع للقوانين اللبنانية، مؤكدًا ضرورة أن يصبح وجود مؤسسات الدولة داخلها واضحًا ومنتظمًا، بما يعزز سلطة القانون وينظم المسؤوليات الأمنية والإدارية.
وأكد في الوقت نفسه أن استعادة السيادة اللبنانية تتطلب أيضًا إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتأمين عودة المواطنين إلى قراهم وبلداتهم، والعمل على إعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب.
وأضاف أن لبنان يسعى إلى بناء دولة تتحمل مسؤولية الأمن والدفاع، وتمتلك القدرة على حماية أراضيها وسكانها.
معالجة أوضاع المخيمات الفلسطينية تتطلب رؤية شاملة
وفيما يتعلق بالأوضاع داخل المخيمات الفلسطينية، أكد سلام أن التعامل مع هذا الملف يستلزم مقاربة متكاملة، يكون الأمن أحد محاورها الرئيسية، إلى جانب ترسيخ سيادة القانون وانتظام عمل المؤسسات، وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية لسكان المخيمات والمناطق اللبنانية المجاورة.
وأشار إلى أن تداخل المسؤوليات واستمرار المعالجات الجزئية والطارئة أسهما في تراكم العديد من المشكلات، الأمر الذي يستدعي وضع سياسات واضحة ومستدامة، وتعزيز التعاون المنتظم بين مختلف الجهات المعنية.
وأوضح أن الخطة الوطنية المقترحة تستهدف تحديد مسؤوليات المؤسسات اللبنانية، وتنظيم آليات التعاون بينها وبين الجهات الفلسطينية ووكالة الأونروا، مع الاستفادة من التفاهمات التي توصلت إليها القوى اللبنانية ضمن «الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان» عام 2017.
وشدد على ضرورة تحويل هذه التفاهمات إلى قوانين وسياسات وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ، بما يضمن معالجة المشكلات القائمة بصورة منظمة، بعيدًا عن الحلول المؤقتة والاستجابات الطارئة.
تحسين الخدمات داخل المخيمات يخدم اللبنانيين والفلسطينيين
وأكد رئيس الحكومة اللبنانية أن تنظيم أوضاع المخيمات وتحسين الظروف المعيشية لسكانها لا يقتصران على خدمة اللاجئين الفلسطينيين، بل يمثلان أيضًا مصلحة وطنية لبنانية، نظرًا لتأثير الأوضاع الأمنية والاجتماعية والخدماتية داخل المخيمات على المناطق والبلدات المجاورة.
وأوضح أن تراجع مستوى الخدمات وتدهور الأوضاع الاجتماعية والأمنية يفرضان أعباء إضافية على مؤسسات الدولة والبلديات، وهو ما يستدعي معالجة هذه الملفات من خلال سياسات مستمرة وواضحة.
وأضاف أن تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وتنظيم الأوضاع القانونية من شأنه تحقيق منافع مشتركة للبنانيين والفلسطينيين، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتحسين مستوى الحياة داخل المخيمات ومحيطها.
لبنان يتمسك بحق العودة ويرفض توطين الفلسطينيين
وفيما يتعلق بموقف لبنان من القضية الفلسطينية، شدد نواف سلام على ثبات موقف بلاده القائم على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية التي أُقرت في بيروت عام 2002.
وأكد تمسك لبنان بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، فضلًا عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
وجدد سلام رفض لبنان توطين الفلسطينيين، باعتباره ثابتًا دستوريًا ووطنيًا، مؤكدًا رفض أي محاولات لتهجيرهم أو فرض حلول تنتقص من حقوقهم الوطنية أو تحمل لبنان أعباءً على حساب مصالحه وسيادته.
وأوضح أن التمسك بهذه الثوابت لا يتعارض مع مسؤولية الدولة اللبنانية عن معالجة الأوضاع القانونية والإنسانية والاجتماعية للاجئين، بما يحفظ كرامتهم وينظم حقوقهم وواجباتهم وفقًا للدستور والقوانين اللبنانية.
مشروع قانون لتنظيم حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان
وكشف رئيس الوزراء اللبناني عن أهمية مشروع القانون الشامل الذي تعمل لجنة الحوار على إعداده لتنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وتحديد حقوقهم وواجباتهم، ومعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها قضايا العمل والضمان الاجتماعي وغيرها من المسائل القانونية والاجتماعية.
وأشار إلى أن هذه الملفات طال انتظار معالجتها، وأصبح من الضروري فتح نقاش جاد بشأنها على أسس واضحة، تحقق التوازن بين تحسين الظروف المعيشية للاجئين والتمسك برفض التوطين.
كما أكد أهمية استمرار وكالة الأونروا في أداء مهامها وفقًا للولاية الدولية الممنوحة لها، موضحًا أن تعزيز حضور المؤسسات اللبنانية داخل المخيمات لا يعني إحلال الدولة محل الوكالة أو إنهاء دورها.
وشدد على استمرار مسؤولية المجتمع الدولي في دعم الأونروا وتوفير التمويل اللازم لضمان مواصلة خدماتها، إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
مشاورات موسعة قبل عرض الخطة النهائية على الحكومة
وأعلن سلام إطلاق مشاورات واسعة بشأن مشروع الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية، بهدف إتاحة الفرصة أمام مختلف الجهات المعنية للمشاركة في صياغة الخيارات العملية، وتقديم المقترحات والملاحظات قبل رفع الصيغة النهائية إلى الحكومة.
ودعا المؤسسات اللبنانية والجهات الفلسطينية وممثلي المخيمات والبلديات والهيئات المدنية والحقوقية إلى المشاركة الجادة في المشاورات، والاستفادة من خبرات سكان المخيمات والبلديات والإدارات المعنية، مع مراعاة اختلاف الاحتياجات والإمكانات من مخيم إلى آخر.
وأوضح أن هذه المشاورات تستهدف أيضًا تعزيز الثقة والتفاهم بين الأطراف المختلفة، وتحديد المسؤوليات وآليات التعاون، بما يسهم في وضع خطة قابلة للتطبيق وتحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
نواف سلام: نجاح المبادرة يرتبط بتحسين الأمن والخدمات والحقوق
واختتم رئيس الوزراء اللبناني بالتأكيد على أن الثوابت المتعلقة بسيادة الدولة ورفض التوطين والتمسك بحق العودة واضحة ولا تخضع للمساومة، بينما تظل الوسائل والإجراءات والأولويات المتعلقة بتنفيذ الخطة مفتوحة للنقاش والمراجعة.
وأشار إلى أن الهدف هو تحويل معالجة قضايا المخيمات الفلسطينية إلى جزء منتظم من عمل مؤسسات الدولة اللبنانية، بما يضمن أن يلمس سكان المخيمات والمجتمعات اللبنانية المحيطة بها نتائج ملموسة على مستوى الأمن والخدمات والحقوق.
وأكد سلام أن المعيار الحقيقي لنجاح المبادرة يتمثل في قدرتها على تحسين الأوضاع داخل المخيمات، وتعزيز الاستقرار، وتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة والجهات الفلسطينية، بما يخدم المصالح اللبنانية والفلسطينية المشتركة.
وفي ختام كلمته، وجه الشكر إلى فريق عمل لجنة الحوار وجميع الجهات التي ساهمت في إعداد مشروع الخطة ودعمه، معربًا عن تطلعه إلى أن تسفر المشاورات عن نتائج عملية تسهم في معالجة ملف المخيمات الفلسطينية بصورة شاملة ومستدامة.
