في قلب مدينة الإسماعيلية، وعلى ضفاف قناة السويس، وُلد نادٍ رياضي لم يكن الهدف من تأسيسه مجرد تسجيل الأهداف أو الفوز بالبطولات، لقد كان نادي الإسماعيلي، المعروف بـ "الدراويش" و"برازيل مصر"، مشروعًا وطنيًا خالصًا، ورمزًا للمقاومة الشعبية في مدن القناة، ليصبح تاريخه فصلاً لا يُنسى في سجل الصراع ضد الاحتلال الأجنبي.
في عشرينيات القرن الماضي، كانت مدينة الإسماعيلية مرتعًا لأندية الجاليات الأجنبية، التي كانت ترفض انضمام المصريين إليها، من هذا الواقع المرير، وفي مواجهة صريحة لسطوة الأجنبي، بدأت فكرة إنشاء نادٍ مصري خالص يمثل هوية الأهالي، ففي عام 1924، تأسس النادي بجهود ذاتية ومُجَمِّعة من التبرعات البسيطة لأبناء المدينة تحت اسم "نادي النهضة"، ليتحول بعد ذلك إلى "نادي الإسماعيلية الرياضي"، ثم إلى "نادي الإسماعيلي" في عام 1947 تكريماً لاسم الخديوي إسماعيل، مقابل دعم مالي ساهم في إنشاء مقره الجديد.
البداية المتواضعة من "أرض أبو رخم" بسور من الطوب اللبن، لم تمنع النادي من أن يصبح أول نادٍ مصري في المدينة، ورمزًا للانتماء والتحدي في منطقة كانت تحت سيطرة المعسكر البريطاني الضخم.
لم يقتصر الدور الوطني للإسماعيلي على نشأته، بل تجسد بأبهى صوره في أحلك الأوقات، ففي عام 1969، حقق الإسماعيلي إنجازًا تاريخيًا عندما أصبح أول فريق مصري وعربي وأفريقي يحرز بطولة دوري أبطال أفريقيا، وكان هذا التتويج بمثابة هدية للشعب المصري في فترة النكسة وما تلاها من تهجير لأهالي مدن القناة.
لقد تحول فوز الإسماعيلي الأفريقي إلى انتصار معنوي ضخم، ومصدر إلهام للصمود في فترة كان الوطن في أمس الحاجة إليها، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فبعد نكسة 1967، قام "الدراويش" بجولات عربية وأجنبية، وتبرعوا بإيراداتها لصالح المجهود الحربي وإعادة تسليح الجيش المصري، ليثبتوا أن الرياضة يمكن أن تكون خندقًا وطنيًا لجمع الصفوف ورفع الروح المعنوية، كما اضطر الفريق إلى الإقامة في معسكرات مؤقتة بالجزيرة بسبب الحرب، إلا أنهم واصلوا العطاء والفوز بالبطولات، ومنها الفوز ببطولة الصداقة الدولية في تونس والتبرع بمردودها كاملًا للمجهود الحربي.
لا يمثل الإسماعيلي مدينة الإسماعيلية فحسب، بل هو ركن أساسي من التراث الرياضي والثقافي والشعبي لمدن القناة بأكملها، يُعتبر النادي مصدرًا دائمًا لنجوم الكرة المصرية، ويُعرف بأسلوبه الكروي الجميل والممتع الذي أكسبه لقب "برازيل مصر".
